البغلة فى الابريق

Posted: الأربعاء,8 أبريل, 2009 by قرن شطة in ادبية

 

 السحر هو اشياء فى مجملها حوادث غريبة وغير متوقعة ….امور تدهشنا ولايمكننا ان نعلل منطقية حدوثها… الأمر يبدو كذلك خداع للبصر وتشويش للذهن ، ولكنى انا لى راى مخالف ونظرية خاصة…الاحداث السحرية يمكن تفسيرها بمنطقية حقيقة بل وتحليلها عقلانيا بالكامل، ولكن فى تلك الحالة يختفى السحر ودهشته…تختفى المفاجاءة ولذتها…السحر الحقيقى يحدث عندما تقال الحقيقة…الحقيقة الناصعة الباهرة دون مورابة او التفاف “عندها تحدث المعجزة الحقيقة وتنبثق السيريالية السحرية وهى أن الناس سوف لا يصدقونك! ” نعم لايصدقونك بل يخالطهم ظن أصيل بأنك مجنون او معتوه…الحقيقة امر محير ومثير للاستغراب بل وقبيح احياناً بحيث انه يجب علينا ان نظللها ونلونها وندهنها بصبغ متنوعة ومختلفة، وهذا يعنى أن نكذب صراحة او نلتزم الصمت وهو امر فى بعض المواقف يشابه الكذب او التصديق عليه…

لا أحد فى كامل عقله وتمام وعيه يقول الحقيقة عارية لا لبس فيها دون ملطفات..الكاتب المسرحى المشهور برنارد شو – ذلك الرجل ذو اللحية البيضاء والراس الاصلع والمزاج الساخر – قال : الحقيقة تفزع الشيطان نفسه….الحقيقة شى يشبه القنبلة الانشطارية عندما تطلق فقد تقتل مطلقها والمستمع اليه وربما من حولهم!…كل هذا يجى تمهيدا لقصة قديمة حكتها لى جارة لنا وصديقة حميمة لوالدتى فى الحى…سيدة بدينة عجوز لا يمكن حتى تقدير عمرها..لها شارب خفيف ابيض مرسوم على شفتها العليا كخيط حليب..فى احدى الايام ارسلتنى المراة لاشترى لها علبة سجاير من الدكان. بداية قمت بالتكليف متفانياً ولكن عند عودتى من الدكان تصادفت مع صديق لى فى الحى وهو صبى مشاغب ..وبين السوألات والاجابات اطلت فكرة سرقة سيجارة من تباكو العجوز وتدخينها، وقد قمنا بذلك …ندخن ونسعل والعيون اخذة فى الاحمرار والسيلان وقد اصابتنا غشاوة جراء الدخان فاحتمينا بشجرة نستريح..عندما شعرت ببعض التحسن اتجهت نحو منزل العجوز واعطيتها التبغ وراسى لازال يدور وضميرى غير غير مستريح بالكامل …المراة ترقد على سرير خشبى صغير وتنظر الى السماء الزرقاء الخالية من السحب…الجارة العجوز اشعلت احدى اللفافات وتدخن بتلذذ واستمتاع لم ارهما من قبل. انا جلست الى جانبها اراقبها وقد ابتدأت سحب القلق تتلاشى ذلك ان المراة بدأت وكانها لم تلاحظ السرقة…المظاهر خادعة دوما ولا يجب الوثوق بها…المراة العجوز دخنت السيجارة حتى ازهقت اخر نفس فى روحها وانحنت لتقتلها نهائيا تحت حذائها الخشن….ثم  نظرت الى بعيونها الصغيرة المائية والشارب الخفيف اهتز قليلا وبدأ كانه اكثف من ذى قبل..داخلنى رعب من تلك النظرات ولكنى جاهدت ان اتماسك ورسمت على وجهى تعابير برئية لم تجدى كثيرا…التظاهر لايجتث الواقع..فجاءة تكلمت المراة العجوز:

– ينقص الصندوق سيجارة…هل خدعك البقال؟

– لا أدرى ..ربما قد يكون – بدأت اتلعثم.

– لم يخدعك البقال لقد دخنتها انت – قالت المراة بحزم دون تردد.

– لا…انا لا أعرف كيف هو التدخين…ثم ان الاطفال لايجب…. –  اتكلم واتفصد عرقا كمحكوم.

– أنت لاتعرف كيف تكذب ايها الصبى..هذا امر لافائدة منه..اذا اردت ان تكذب حقيقة او ان الاخرين يعتبرونك كذلك وياخذونك على تلك الحالة فقل الحقيقة دائما..بجانب تكون قد ارحت نفسك وضميرك مستريح …. والناس ..حسنا من الافضل  تركهم وتخيلاتهم – ابتسمت المراة بابهام ثم سالتنى:

– اتعرف قصة البغلة التى دخلت فى الابريق؟

– اى قصة هذه! – قلت وانا مندهش ذلك ان العجوز لم تصر على الخوض فى موضوع التبغ والسرقة…

– حسنا استمع الى ايها اللص الصغير. 

 

فى احدى الحقول يعمل شقيقان يفلحون الارض باالمعازق …الجو كان حاراً والنسمة التى تهب من حين لاخر كانت حارقة وكانها تاتى من ذات جهنم، ولكن الاخوان يتوجب عليهم اتمام العمل واصلاح الارض وتجهيزها لحين سقوط المطر…عندما صعدت الشمس الى كبد السماء وصارت فوق رؤسهم مسلطة كسيف “داموكلس” قرروا الذهاب الى منزلهم المتاخم للمزرعة …المنزل صغير حيطانه من اللبن السميك تمنع نفوذ الحرارة الى الداخل..غسلوا ايديهم من ابريق صغير كان هناك وجلسوا ينتظرون ان تضع لهم اختهم شيئا من الطعام..عندما بدوا فى تناول الوجبة تناهت الى اسماعهم اصوات ضجة فى الخارج، وقبل ان يعرفوا مايحدث تحديداً دخلت عليهم بغلة ضخمة حمراء اللون..يبدو الحيوان وكأن احداً يطارده..البغلة جالت بنظرها فى الغرفة الصغيرة وكأنها تبحث عن مكان لتختبى فيه..ولكن فى تلك الغرفة الضيقة لم يكن هناك مكان ليختبى فيه حيوان بذلك الحجم وبتلك الضخامة..البغلة اقتربت من الابريق وابتدأت تصغر من حجمها تدريجيا ..بدأ الحيوان ككرة ملى باالهواء وقد ثقبت…البغلة صارت صغيرة الحجم امام بصر الاخوة اللذان سيطرت عليهم دهشة لاتوصف! كيف يمكن لحيوان ضخم ان يصير شيئا صغيرا! البغلة قفزت بكل قوتها من الارض لتستقر فى جوف الابريق حتى ان الماء الذى فى الابريق تناثر على الاطراف….المشهد يرونه راى العيان..هذا مستحيل..هذه البغلة كائن من الجن! او اى شى اخر! ولكن هذه الافكار والتخيلات لايغيران من الواقع شيئا..الامر الاكيد والوحيد هو ان البغلة موجوده الان داخل الابريق!! وهم على تلك الحالة من الدهشة والاستعجاب اذ دخل عليهم رجل كث الشوراب اشعث الرأس ويحمل فى يده سوطا ضخم..حياهم بانفاس متقطعة وسأل ان كانوا قد رءوا بغلة ضخمة حمراء اللون ولها بقع بيضاء على…..الاخوة الفلاحين نظروا الى الابريق ثم نظروا الى بعضهم البعض واخيرا هزوا رؤسهم بالنفى…قالوا بانهم لم يروا اى بغلة بتلك الاوصاوف…هل كان الاخوة كاذبين؟ لا أظن ..كل الذى حدث ان الحقيقة فى تلك الحالة اصبحت امرا يصعب البوح به..من يصدق ان البغلة مختباة فى ابريق صغير؟! لاشك انهم اذا قالوا الحقيقة سوف يتهموا بالخبل والجنون لذا فضلوا ان يكذبوا وتجنب الحقيقة… سكتت المراة العجوز عن الكلام واصابعها تنبش داخل الصندوق تبحث عن سيجارة اخرى….

 

الذين يبحثون عن الحقيقة بجد

يستحقون عقاب العثور عليها

           

سانتياغو رويسنيول

 

 

 

Advertisements
تعليقات
  1. aflaiga كتب:

    قرن شطه : واضف الى كل ما سبق من الروعه كمان ود حبوبات ؟!!
    من الجميل جدا ان تختم كل مقال بمقوله بمثل :
    الذين يبحثون عن الحقيقة بجد
    يستحقون عقاب العثور عليها
    بالله عليك اختم لنا كل مقال بمثل هذا المثل الرائع ..
    * لكن يا قرن ياخوى فى حته سغنتوته محيرانى :
    الا ترى انه من الفشل التسليم بان العقاب هو ما يستحقه الباحث عن الحقيقه مع ان العقاب يجب ان يكون مصير مخفى الحقيقه او الذى يتستر عليها !!! اعتقد انه لو اجتهد هذا السانتياغو قليلا لاوقف الكذب والنفاق عند حدهما ولقلب الايه لتكون :
    الذين يتسترون على الحقيقه
    يستحقون عقاب التستر عليها !!!!
    ولا يكون سانتياغو قنع من خيرا فى الحقيقه ولقى المقوله دى اسهل من غيرا ؟؟؟
    تحياتى لك وانت تتحفنا كل ذات مره بما يثلج صدورنا …

  2. aflaiga كتب:

    قرن شطه : جيتك تانى واستوقفتنى عند القراءة الثانيه ( تقول عضو مجلس ) تعبير :
    – اتكلم واتفصد عرقا كمحكوم.

    – أنت لاتعرف كيف تكذب ايها الصبى..
    بالله عليك اما اكتشف العلم نظرية لكشف الكذب ( بدون جهاز ) تجعل الكاذب يتصبب عرقا كمحموم ؟؟؟ حينها ستفيض الانهار من امتلائها بعرق الكاذبين .. وحينها يصعد الصادقون سفينة الصدق فينادون من استعصم بجبل النفاق يعصمهم من الغرق ان اركبو معنا فينجى الصدق بعضهم ويهلك الاخرين …
    اما من نظرية كهذى ؟؟؟

  3. aflaiga كتب:

    عند القراة الثالثه قبل الاخيره لاجازة المقال ضمن مشروعات القوانين المقدمه للابداع فى مخيلتنا البسيطه توقفت عند روعة التوصيف :
    سيدة بدينة عجوز لا يمكن حتى تقدير عمرها..لها شارب خفيف ابيض مرسوم على شفتها العليا كخيط حليب..
    —–
    بالله عليك اليست هى وامثالها مؤسسات تربوية قائمة بذاتها ( برغم انها تدخن وترسل الطفل للسجاير ) .. انظر كيف علمتك تلك الحكمه وهى غير عابئة تنفث دخان سجائرها …
    حقيقة انها القطع الادبية الرائعه تخيلتها تحكى فى البى بى سى اكسترا فى باب القصص القصيره وتخيلتها تفوز بجائزة ذلك اليوم .. وتخيلت ديوانك الاول الذى لم تهدينا منه نسخه ..!!! غايتو لقاءنا الجاى الا تدس المكتبه تحت السرير !!!

  4. نيام كتب:

    قرن شطة:
    اذكر و نحن صغار رسلني خالي للصعوط فوزني قريني “يا ود جرب القصة دي” ، فوضعت حتة سغنتوتة كما يقول افليقا ولا اعرف مقياس السغنتتة لديه و لكن قل شئ لا يذكر..
    بعد دقائق بدأت اري كما يقول عادل امام “عينك ما تشوفش الا النور”..فاعطيته الصعوط و صعدت الي عوالم ضبابية و حالة من انعدام الوزن ،ولما سئلت كذبت ولم اكن اعلم انك “لو اردت ان تكذب حقيقة او ان الاخرين يعتبرونك كذلك وياخذونك على تلك الحالة فقل الحقيقة دائما”..
    افليقا:
    بالله شفت قرن دا بقردن الكلام دا كيف .. حتي الحروف ببتجيب معاني منغنغة بل مقنعة..

  5. مُخير كتب:

    المبدع المتألق د. قرن شطة
    الولد الشقي أفليقا
    صناجتنا الأرب الشاعر نيام
    الحبان في كل مكان
    بالله شفتو الكلام ده كيف !!!
    يقول المكسيكي كارلوس فيونتاس أن الكوبي اليخو كاربانتيي هو من إبتدع الواقعية السحرية قبل غابريال جارسيا ماركيز الكولومبي وأنه أوصل هذا الأسلوب قمته، كما يجزم آخرون أن موجدها هو سرفانتس في رائعته الأكثر شهرة “دون كيخوت” وبعيداً عن خصوصية الأدب الأسباني أو عمومه اللاتيني
    أذكر في حلقة لبرنامج “خليك بالبيت” للإعلامي اللبناني زاهي وهبي قبل أربع أو خمس سنوات إستضاف فيها أديبنا الكبير الراحل الطيب صالح تحدث أكاديمي أردني عبر مكالمة هاتفية أوضح أنه في بحثه “رسالة ماجستير في الآدب” أثبت أن الطيب صالح هو رائد الواقعية السحرية في العالم وأن موسم الهجرة للشمال أول ما نُشرت في عام 1966م، بينما نشر ماركيز رائعته “مائة عام من العزلة” في عام 1967م ولسنا هنا في مقام المفاضلة فجميعهم رائعون وبصرف النظر عن منشأ الواقعية السحرية الشاهد هنا أن الواقعية السحرية وإن روّج لها الأدب اللاتيني خرجت من عندنا، والآن ها هو من يعيدها إلى مسقط رأسها، هاهي تخرج لسانها من بين السطور وتخرج في أبهي حللها من قمقم سوداننا، ما تضمنه النص من أحداث تدهش ولايمكن تعليل منطقية حدوثها…وحتى إذا سلمت برأي دكتور شطة بإمكانية تفسيرها بمنطقية حقيقية وتحليل عقلاني كامل، لن يختفى السحر ودهشته… كما قال ولا المفاجأة ولذتها…بل عند إسقاط النص على واقعنا الراهن تجده بصف لك الحقيقة الباهرة بإبداع رمزي لا يحجب نصوعها بل يكفي أن تسعد بإدراك واقعك المرير عبر توصيف مغزول ببراعة وممزوج بهذه الجرعة من سحر واقعي مكبرت بعبق لاتيني، ويا ليت تمهيد قبل النص كي نعي هل هو معتق يتم تقديمه بعد معالجة في آنية جديدة، أم روعته القديمة متجددة، أين كان !!! سأعود لقراءة ثالثة فلربما يفاجئنا بقطعة أخرى ولا نجد من الوقت ما يكفي لإعادة قرائته … وإن حدث فقد تسلل أكثر ما ورد في النص إلى شقوق الذاكرة، وأكاد أجزم أنني لاقيت المرأة العجوز البدينة في المحطة الوسطى أم درمان قبل أكثر من عشرين عام، وكانت تشتم أحد الشبان على الملأ بألفاط بذئية لا أدري ماذا فعل أو قال لها لكنها كانت تسعل وتبدو آثار التدخين فيما تبقى من أسنانها وها نص شطة يحيها في الذاكرة ويصفها وأزيد بأنها كانت حلبية ولعلها كانت بغي في شبابها الذي لم يعد له أثر في تجاعيد وجهها المتغضن. لله درك يا شطة، زدنا ولا تنقصنا

  6. البشاوى كتب:

    قرن شطة
    الروعة والابداع شأنك والدهشة والتلذذ بالمتعة شأن من يقرأ لك
    دمت ودام سحر بيانك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s