البتله

Posted: الخميس,16 أبريل, 2009 by قرن شطة in ادبية

كانت ظهيرة حارة خانقة اواسط الصيف.. المدينة بدت خاوية من السكان الذين قد هجروها هرباً من حرارة مدريد التى لا تحتمل…فى هذه الساعة من اليوم حيث الحرارة تصل الى ذروتها والكسل والفتور يسيطران على الموقف حتى الذباب يهمد. صمت عميق يخيم على المنزل فقط تسمع من على البعد صرير باب يقفل او سعال فى مكان ما..فى البنسيون الذى أسكن ويسمى”منارة بيقو” أحاول جاهداً مكافحة الحر الذى يحتوينى فى حضنه الخانق…أردت ان أخفف تلك الحالة فوضعت الى جانبى مروحة متنقلة صغيرة كنت قد اشتريتها من سوق “الاحد” المروحة عتيقة وعقيمة ذات لون اسود وتئن بصوت مزعج طاردة اى فكرة للإسترخاء قد تداعب الفكر، ولاعجب فالمروحة صناعة المانية صيغت فى زمن الخطورة واللوثة…أزمان “الرايخ الثالث”…. اخيراً قررت أن اخذ حماما بارداً ثم انزل اتمشى فى حمى احدى الحدائق العامة الظليلة. شارع “القلعة” – احد اطول شوراع المدينة – شارع تجارى يعج بالمتسوقين والمتطفلين والعاطلين ومحبى اشياء الاخرين ولكنه الان يبدو خالياً..والقليل من المارة تبدو عليهم علامات الاستعجال فى محاولاتهم اتقاء حرارة النهار  القائظ…الشارع يمتلى بالدكاكين المختلفة وترى البائعات وهن منهمكات فى تنظيف الزجاج بقطع قماش باديات الضيق من الحر  والسهد. فى احدى محال بيع الاحذية شد انتباهى فى صالة العرض حذاء رمادى اللون بتصميم بديع..الحذاء كان مخفض السعر، الصقت وجهى على الزجاج اتأمل الحذاء وبدأت معه قصة غزل مستحيلة..الحذاء موضوع على قاعدة تدور عارضة له بكل تفاصيله…يتلالأ الحذاء كشهاب بعيد، ولكن بين الرغبة فى اقتنائه و بريق اللمعان الاخاذ يتعارض السعر ماثلاً كقدر مشئوم. ذاهل فى تامل الحذاء عندما صدمنى احدهم من الخلف بعصا ..التفت بسرعة مردداً كلمة انتبه بصوت حانق…كانت فتاة تقف خلفى وبوجهها علامات من لا يدرى ما يفعل! سالتها بتجهم ومزاج قد اثرت عليه حرارة الجو:

 

– اعميانة انت؟

– نعم انا كفيفة..اسفة – ردت الفتاة بهدوء – احتجت الى ثوانى لاستوعب الجملة..شعرت بعدها بروحى تتحرك فى داخلى منزلقة ثم تقع عند قدماى…شعرت بالحنق على نفسى واستأت من استعجالى واللهجة التى استخدمتها مع الفتاة. همهمت متمتما بتلك التاته التى تعترينى عند حالات الحرج الشديد:

– اسف على الصراخ..الى اين تتجهين؟

– محطة الانوبيس.

– حسنا أقترح ان ارافقكى الى هناك وقاية لكى من الحوداث – قلت بصوت ناعم كساه ندم ولكن الفتاة اعترضت على اقتراحى قائلة بانها وحدها تستطيع الوصول سليمة وبدون حوادث الى محطة الاتوبيس. الفتاة تتكلم ببط وانا أتامل مظهرها  باهتمام ..بيد تمسك عصاة كتلك التى يستعملها المكفوفين وعلى الوجه نظارات سوداء ، فى الواقع كانت من النوع الذى يتغير لونه بتغير درجة الضوء وقد نحتهم جانبا اثناء الحديث فرايت شياً لم أراه فى حياتى من قبل….. لم ارى من قبل عيوناً بذلك الجمال والسحر…عيون كبيرة وعميقة كالمحيطات وحدقات بهية بلون العسل..الرموش مرصوفة باجادة غريبة..الرموش الرقيقة تنحنى الى اعلى كخناجر مصقولة ببريق حاد تشعرك اللحظة بسحر وغموض..العيون تتحرك بتمهل وكانها ترى ومع ذلك لاترى فالفتاة كفيفة! فى لحظة إنجذاب فكرت ان هذه العيون الجميلة لم تخلق فقط لصاحبتهما فلا احد يرى عينيه! وانما خلقت للاخرين..هدية إلهية بديعة ليتاملها الذين يرون معجزات الخالق ماثلة ثم يكفرون! وجه الفتاة كان مستديرا قمرياً وفى نواحيه بعض نمش مليح..الانف مستقيمة رومانية وفى نهايتها تنحرف قليلاً نحو اليسار …لونها قمحى اسيل يقارب اللمعان درجة..والخصر نحيلا يكاد يجزئها الى مرحلتين. ترتدى قستانا بسيطا ازرق بحرى ولكنه على الجسم الرشيق يكتسب ابعاد ملوكية..الشعر أسود كالكهرمان وطويل كليل الكليل يتارجح خلفها حراً طليقاً…تاج الاميرة كان عبارة عن طوق رقيق من البلاستيك المقوى. ظللنا فترة من الزمن احدنا امام الاخر وانا فاغر الفم منذهل…الفتاة وقد افردت عصاها لتعاود طريقها وقد ظنت بان (المصدوم) قد اصيب بصمم فجائى!…عدت من حالة “المغنطة” التى كنت فيها… عدت الى الواقع بسرعة كما يخرج الغطاس مجهداً الى سطح الماء..تنحنحت وبصوت فيه رنة توسل ورجاء قلت:

– اعذرينى سيدتى فى الحقيقة لا افعل شيئا مهما الان، فاذا سمحتى لى بمراقتكى اكون شاكراً – الفتاة بدأ عليها سيما التفكير لحظة، اظنها تفاجأت بطلبى…انظر الى وجهها البهى ولكن سيماء المكفوفين أحياناً تتكسى بغطاء كثيف يصعب اختراقه ومعرفة مايدور بداخل رؤسهم…الفتاة تقدمت خطوة وسالت بنبرة فضول:

– انت ليس من هنا؟

– لا – اجبت بالرغم من انى لم اعرف تحديدا ما تقصده ولكن فى اللحظة عرفت ماترمى اليه بالسوأل:

– من اى بلد انت؟

– ليس لى بلد محدد – أبتدأت اعرف حالة صعبة التعريف – ثم قلت هيا احثها على السير – الفتاة بطريقة هادئة طبقت عصاها ووضعتها فى حقيبة يدها وبطبيعية هادئة امسكت بذراعى…شعرت بكهرباء او خدر يسرى فى كل جسمى…كل الذى حدث فى تلك الظهيرة الصيفية كان له تصريف غريب وصبغة اعجازية…احسست بالاحداث تتلاحق لتكون شى بشبه حلم يتحقق بطريقة لاتوصف.

– هل من الممكن ان لايكون لشخص ما بلد او وطن؟ – سألت الفتاة.

– لست ادرى..اما عن حالتى استطيع أن اقول لكى أنى دائم الخلط بين الهوية والقومية..انا ولدت فى افريقيا ولكنى نشأت فى بلد اخر غير مكان ميلادى وبطريقة غير مقصوده وصلت الى هنا لفترة كنت اظنها مؤقته ولكنها امتدت لتصبح دائمه.. كما ترين انا شى مركب غير واضح المعالم فى دواخلى تتعايش اجزاء متفرقه من هنا وهناك..شعور التشتت الداخلى صاغ احساساً بالتوهان…توهان كونى…انه أمر يعادل ربما حالة ضياع سيكلوجى ايضا…أتكلم مسرعا ولا اريد او لا استطيع التوقف عن الهذيان مثل السباح الذى لايمكنه ان يتوقف عن تحريك يديه فى عرض البحر. الفتاة تستمع الى كلماتى التائهة المتعثرة وافكارى المحمومة بانتباه، فقط تحرك راسها من حين لاخر…عدت اتامل تقاسيم وجهها الان من دون نظارات ولكن من الاستحالة استشفاف شيئا…مرت بجانبنا امراة غجرية تبيع الزهور …املك قليلا من المال فقررت ان اهديها بعض الزهور.. لسبب أجهله كنت أريد أن تحس هذه الفتاة ببعض سعادة..اهديتها زهرتان قانيتان …قالت مضطربة قليلا بان هذا لايصح فانا بالكاد أعرفك ثم اغرقتنى بكلمات الشكر..احترت فانا لا اعرف من يتوجب عليه شكر الاخر وعلى ماذا! على كل قلت لها انها زهرات لاتساوى شيئا تتضوع بالعطر بعض الوقت ثم تذبل وتموت …الزهور تذبل وتزول كالحياة..بعض الناس يظنون أنها تدوم اكثر اذا وضعت لها بعض اقراص “الاسبيرين” مع الماء كالناس تماما. الفتاة توقفت فجاءة على حافة الطريق وقالت:

– اود ان اسالك سوالا ولكنى لا اريدك ان تتضايق!

– اسالى ما بدأ لكى.

– هل انت ملون؟

– هل يوجد احد بدون لون! – رددت ساخراً

– انا لا املك لونا – قالت الفتاة بجدية محيرة ثم اضافت – يعجبنى الاطفال السود لاادرى لماذا .. احس بانهم اكثر طبيعية من رصفائهم البيض! لاأدرى كيف يمكننى شرح الفكرة!

– انا يخيل لى بانك لست كفيفة بل ترين كل شى.

– لا ابصر منذ كنت صغيرة ولكنى تطورت لدى حواس اخرى لدرجة انى اكاد ارى –وابتسمت بغموض.

– قل لى ما أسمك؟

– ليون.

– وماذا ايضا.

– الافريقى.

– انت كاذب.

– حقيقة انا ادعى ليون الافريقى ولكن اذا لم يعجبكى الاسم يمكنكى ان تنادينى باى اسم اخر يروق لكى – ضحكت الفتاة ضحكة فواحة ناثرة فى الهواء ضوضاء جذلة.

– احب ان اراكى ضاحكه..والان ساشرح لكى مغزى وتركيبة اسمى، الاسم اصلاً يعنى الاسد ومترجما يكون ليون، وانا مولود بافريقيا ومن ثم انسب اليها، هذا كل ما هناك والان اتحبين تناول مشروب؟

– اوافق بشرط ان ادفع الفاتورة – قالت الفتاة بحماس.

جلسنا فى احدى الشرفات والتى تنصب عادة فى المدينة بحلول الصيف..مدريد مدينة مشهورة بشرفاتها الصيفية الانيقة والتى تدعو الى السمر والحديث اللطيف. الفتاة طلبت قهوة بالثلج وانا عصير برتقال…الفتاة انشغلت لحظة بتنظيم اشياءها وضعت النظارة على المنضدة وعلقت حقيبة يدها فى يد المقعد…انا على الكرسى أتامل محياها البديع بشغف بالغ مكتشفاً كل لحظة تفاصيل تستحق الاعجاب والتلذذ…لا أدرى ماهو طبيعة الشى الذى يشدنى الى هذه الفتاة كمغنطيس هائل قائم بيننا! أأكون قد وقعت فى الحب؟ ربما وهذا مايقلقنى فقد مررت بتجربتين عاطفتين ولم اخرج منهما سعيداً…خطيبتى الاولى هجرتنى – مر على هذا زمن طويل حتى ان الماضى الان لايولمنى –  الاولى أحببتها بكل جوارحى حتى انها شعرت – حسب تعبيرها – وكانها محاصرة بذاك الحب العارم! نعم قالت محاصرة! الحصار مصطلح عسكرى…فى حالات العواطف المتاججه توجد ايضا حالات عسكرية وبالتالى مصطلحات من نفس الطبيعة..حصر…هزم…حطم…الخ… أيكون الحب مثل الحرب؟ يقولون ان هناك حالات حب تؤدى بالضرورة الى الموت كالحرب! خطيبتى الثانية أيضا تركتنى متعللة ببرودى معها وشرودى عنها فى رفقتها..كانت تتضايق من حالات السهو التى تنتابنى  بكثرة…فى اخر لقاء لنا قالت لى باننى شديد السهو أبدو دائماً وكاننى اتأمر على فعل شى ما…ايضا أطل مصطلح عسكرى…على كل خطيبتى الثانية تركتها تمضى بدون كبير مجهود او عظيم عناء..من البداية كنت اراها خبيثة مغرورة وسيئة المقصد.

– لماذا تنظر الى هكذا ليون؟ – قالت الفتاة بصوت وكانه خارج من كهف بعيد.

– ماذا تقولين؟

– تنظر الى بتركيز ولكنك تبدو كالساهى – هذه الملاحظة سربت الشك الى نفسى..لعلها تبصر!

 

ياللغرابة! هذه الفتاة الجالسة امامى لعلها ترى! ولماذا اذن تمثل انها كفيفة؟ لاأدرى تحدث فى هذا العالم اشياء اكثر غرابة! كان لى قريب مثل وتظاهر زمنا طويلا بانه اطرش حتى ماتت زوجته ثم اكتشفنا بانه لم يكن كذلك! الرجل قتل زوجته بعدم سماعه لما تقول! وهل هذا يؤدى الى الموت؟ نعم وبالذات النساء…لاتسمع المراة تتسبب فى قتلها بهدوء.

 

– لا..لا ..احياناً ابدو – ثم خامرنى الشك فاعود انظر الى عيون الفتاة…لون عيناها تغير، الان يبدوان اقرب الى السواد…لون عيون الفتاة يتغير كما يتغير لون نظارتها مع درجة الضوء!

– اعطنى كفك – طلبت منى الفتاة – ماذا تريد من كفى! لعلها تريد قراءته..هذا شى غريب..كفيفة تقرأ المستقبل فى الكف!

– هل هذا ضرورى. 

– لاتنزعج  الامر لعبة وعبرها أتعرف اليك اكثر – الفتاة تبدو وكانها تسيطر على الموقف.  ابتدأت تمرر اصابعها على كفة يدى…طريقة قراءة “برايل” على لحم اليد! شعرت بدغدغة ثم اختفت..اتامل وجه الفتاة الجميل وغير المعبر ثم فجاءة اختفى كل شى..حتى الاصوات تلاشت…المشهد بدأ وكانما كل تلك الضجة والاصوات الحياتية كانت منبعثة من جهاز راديو وقام احدهم باسكاته..الناس تتحرك من حولى دون ان تنبعث منها اصوات…الهواء تكثف وابتدأ يقل فى رئتاى وأحس بصعوبة فى التنقس. رفعت يدى لانادى على الجرسون…الرجل جاء مبتسما يسعى من بين المناضد..سالته عن مكان الحمامات…

امام مراة صدئة الجوانب اطل وجه كدت أن لا اعرفه..العيون تحيطهما هالة زرقاء وهناك تجاعيد صغيرة وكأنى قد شخت فجاءة! غسلت وجهى بالماء البارد عدة مرات، وابتدأت استعيد هدوئى..الان أشعر بانى اقل اضطرابا  واتنفس بصورة أحسن. خرجت. المنضدة التى كنا نجلس عليها كانت خالية..لم يكن هناك احد! انظر حولى مندهشاً ولا أفهم! سألت الجرسون ان كان يعرف اين ذهبت الفتاة التى كانت برفقتى! الرجل قال عن اى فتاة اتحدث! ثم اردف أنت كنت جالساً هناك لوحدك! ونظر الى بشفقة كما ينظر الناس عادة الى المرضى والمجانين وذهب…اقتربت من المنضدة بحذر خرافى فوجدت عليها بتلة لزهرة..بتلة لم ارها من قبل..كبيرة ومثلثة الشكل..اخذتها فرايت عليها كتابة..كتابة رسمت بخط طفولى..رسالة من كلمتين تقول: سوف نلتقى.

 

خرجت من المكان مضطرباً وفى يدى البتلة التى كتبت عليها الرسالة الموجزة…عقلى كان مشوشا وغير قادر على الاستيعاب..كنت اريد أن أعرف الحقيقة، ولكن اى حقيقة! هذه الفتاة الغامضة.. اللعنة…حتى انى لا أعرف أسمها ! لعنت نفسى مجدداً .. كان يجب ان اسالها عن اسمها على الاقل ولكن سهوى وشرودى…لماذا أتعجب اذا تركتنى خطيبتى! كالمخبول ذهبت راكضاً نحو محطة الاتوبيس..هناك ظللت اراقب واتفحص المسافرين عبر النوافذ كشرطى يبحث عن مطلوب…اقتربت من سيدة عجوزة محنية الظهر ..المراة تمشى متمهلة وبثلاثة ارجل.. سالت العجوز ان كانت قد رأت قتاة تستعمل نظارات ولها شعر طويل و….المراة تسمعنى باهتمام وتحرك راسها متاسفة وتنظر نحوى بعيون رطبة، رحيمة و مسيحية، ثم ابتدأت المراة تنبش فى جيوبها واخرجت قطعة نقود دفعتها فى يدى مردفة:

– نحن قوم فقراء يا ابنى – المراة السخية كانت طرشاء لم تسمع حتى سوالى.

– ما يهم ياسيدتى هى النية الطيبة – قلت كالمعتوه – يبدو ان مظهرى كان مثيراً للشفقة. ابتسمت حزينا وانقلبت امشى نحو “البنسيون” اجرجر خطواتى المتثاقلة….راسى على وشك الانفجار…الليل يهبط بطيئا على المدينة. 

 

منذ اكثر من أربعة اعوام اسكن فى حى “الكارمن” الشعبى  فى بنسيون “منارة فيقو” اقطن غرفة مستطيلة ذات ابعاد جحرية وبائسة…البنسيون لم يكن كذلك بالمعنى المتعارف عليه، وانما هو شى اقرب الى “النزل” الناس تحل به فى حالات الحوجة والطؤارى ولكنهم لايمكثون طويلا. مالكة العقار هى السيدة مانولينا دا كوستا عجوز ذات ثمانين خريفاً تمتاز بسيماء طيبة وملائكية..شعر ابيض مكور على راسها، وعلى الشفتان ابتسامة ناعمة ازلية وخادعة، والذى يضفى على المراة مزيدا من الاحساس بالطيبة والوداعة هو لكنتها البطيئة والموسيقية، ومع ذلك السيدة مانولينا امراة بخيلة وشديدة الحرص على المال لا تتسامح مطلقا حتى فى مقدار فلس..المراة ليست فقيرة او معدمة. البنسيون يتكون من ستة غرف وصالة كبيرة علق على جدرانها بعض صور ورسومات… بوستال اغبر يرى فيه حمار وهو يركل برجليه الخلفيتين بعض جرار ماء، وفى الجانب الاخر من المشهد يطل طفل بدين ينظر الى الحمار بفزع ..ملامحه تشى بوشك البكاء! …فى الجانب الاخر من الحائط علقت صورة عتيقة للمرحوم  زوج السيدة مانولينا بزيه العسكرى ويتدلى بجانبه سيف…الرجل بهى القامة وفاسق النظرات. السيدة مانولينا تروج بان زوجها مات شهيداً فى الحرب! وتنسى ان تحدد اى حرب! قدامى سكان الحى لايتشككون فى استشهاد السيد روفينو – وهذا اسم الرجل – فى الحرب ولكن يوضوحون ساخرين بعض الامور لتفهم قصة الرجل واستشهاده على نحوها الصحيح… الحرب هو أسم احد دور الدعارة بالبلد، ماخور مشهور فى حى “شانمارتن” القديم  بمدريد مابعد الحرب…السيد روفينو ترك لزوجته شقتان فى العاصمة ومزرعة فى الشمال تؤجرها المراة بمال كثير، اضافة للبنسيون وابن وحيد مقيم فى فرنسا، اظنه يحارب هناك مثل والده!

 

يمر على بنسيون السيدة مانولينا أناس عديدة يقضون بعض الوقت ثم يرحلون بسرعة، ولكن توجد مجموعة موجرين دائمين كما نحن…اناس قد تاهت خطاهم فى دروب الحياة..بعضنا منفى من بلاده واخرون تحاصرهم ظروف غريبة او فقر أصيل لايزول….الدائمين المعروفين كنا اربعة: افريقى بائع متجول لايتحدث لغة البلد فقط يعرف الارقام والاعداد وكل مخزونه اللغوى بضع كلمات متفرقة وابتسامة بيضاء وبرئية تساعده على بيع بضاعته. الثانى شاب من سيرلانكا يدعى “نزارت” وقد قدم الى البلاد على متن سفينة تجارية متخفيا “تهريب”  وفى ميناء “فالنسيا” خرج يمشى على رجليه حتى وصل الى مدريد! نزارت شاب هادى ووديع الطباع وليست له اهداف ومرامى واضحه فى الحياة كاغلبية قاطنى بنسيون السيدة مانولينا.. نزارت يكد فى اى شى الساعات الطوال ومع ذلك التعاسة لاتفارقه شبراً. الثالث الدائم شخصية غريبة، رجل دين يسمى “مانولو” وهو قسيس معارض ومستبعد من شئون الكنيسة بواسطة مرؤسيه…السيد مانولو كان يدير كنيسة فى احدى احياء العاصمة الثرية وقد تمت تنحيته – يقال – نسبة لافكاره المتحررة اليسارية…السيد مانولو يدافع عن نفسه بشراسة..فى البنسيون يشاع بان الرجل ينتمى الى الحزب الشيوعى او مجموعة الفوضويين الاكثر تطرفاً.. اتهامات لايؤكدها ولاينفيها رجل الدين.. مانولو يعتبر نفسه قسيس تحت الخدمة ورجل دين شرعى، ظل مثابراً يبارك كل يوم منضدة الطعام والتى يجلس عليها افريقى مسلم وسيرلانكى بوذى واخر لاأدريه وعجوز بخيلة وشبه ساحرة.

 

صعدت السلالم القديمة المتاكلة.. ادرت المفتاح فى القفل ودلفت الى الصالة الكبيرة مصطدماً بصورة السيد روفينو بسيفه الصدى ونظراته الفاجرة..على المنضدة الكبيرة يتحلق كل سكان البنسيون بما فيهم السيدة مانولينا يلعبون “الدومينو” القيت التحية بفتور واتجهت الى غرفتى ..رجل الدين “مانولو” وكان صديقا مقرباً وبيننا احاديث ودعابات قال:

– ماذا بك يبدو لونك شاحبا وغريبا؟

– لونى دائما كان غريبا – همهمت بضيق.

ظريف هذا الشاب – رد القسيس ثم واصل رمى النرد. 

 

انزويت بنفسى فى الغرفة كئيبا منذهلاً وغير راغب فى التحدث الى أحد…لم اكن قادراً على استيعاب او إيجاد تفسير ماحدث مع الفتاة الغامضة…الجو تحسن الأن فقد انخفضت الحرارة والقيظ ارخى قبضته..نافذتى مفتوحه وعبرها يتسرب هرج الاطفال فى الحارة يلعبون…نهضت من على السرير وانتقيت كتابا للقراءة وورأبت النافذة قليلا…الكتاب بعنوان “تجار الأحلام” للكاتب هارولد روبنسون وانهمكت فى مطالعته ولكنى لم افهم حرفا وداهمنى نعاس ورغبة فى النوم..جفونى تتثاقل…عندما هممت بوضع الكتاب على المنضدة الصغيرة رايتها بقربى…الفتاة الجميلة تجلس بحياء على طرف السرير! واصابعها معقودة على بعضها كطفلة ارتكبت ذنبا ما وتخشى العقاب. ظهور الفتاة المفاجى اصابنى باالفزع..لاأدرى من اين قدمت ومن اين منفذ دخلت! الفتاة ترتدى فستانا صيفيا ضيقا ناصع البياض يظهر تموجات جسمها الرشيق اللدن…فى الجو يعبق عطر مالوف…لاأدرى فى اى مكان لامست انفى رائحته. عندما دققت فى وجهها اكتشفت ان لون عيونها قد تغير …الان تبدو سوداء شديدة اللمعان!

– كيف حالك ليون؟ حيت بهمس.

– انا بخير اشكرك – اجبت باقتضاب – الفتاة لاحظت سوء مزاجى ولم تقل شيئا..نهضت تتجول فى الغرفة الصغيرة، مررت اصبعها على الكتب المصفوفة على احد الرفوف، ثم اشبعت فضولها تتأمل بعض التماثيل الصغيرة التى احضرتها من بلادى الاصلية.

– اهنئكى على استرادكى للبصر ، اظن أن الامر لايتعدى ان يكون كذبة ومسرحية سخيفة، ولكن لا أدرى لماذا؟

– افهم حنقك ولكنى ارجوك ان تستمع الى مااسوف اقوله اولا وبعدها سوف تفهم.

– كلى اذان ياسيدتى.

 

قبل ان تنطق الفتاة بحرف ابتدأت احس بشعور غريب…احساسيس كالتى تغمرنا فى

اماكن مريبة مثل فى غرفة العمليات فى مستشفى ما قبل ان تجرى الجراحة…خليط من خوف ورجاء واحساس خفى بالراحة لان يوم “العملية” الرهيب قد اتى اخيراً. اظن انى كنت مخدراً بذلك النعاس قبل ان تظهر الفتاة فجاءة فى غرفتى…مستعد الان لسماع ماسوف تقوله الفتاة..عدلت الوسادة وتمددت على السرير وانا اراقب لون عينيها المتغير  فى كل لحظة.  

 

– لا أعرف ما أسمى –  بدأت الفتاة المجهولة قصتها – الاسم فى عالمنا لايعنى شيئا، هذا تفصيل عديم الاهمية لاننا مخلوقات من غير اجساد..وعلى كل انا ينادوننى بالاميرة ذلك أن والدى هو “مورفى” اله النوم والاحلام…حدث خلاف بينى ووالدى استمر زمنا طويلا لسبب انى كنت ارغب ان اعيش بين البشر وبجسم بشرى! والدى رفض طلبى متعللاً بتصرفات البشر الحمقاء..الحروب…المجازر..الظلم…القسوة المفرطة والانانية المطلقة التى تسود مجتمعات البشر…نحن ليس لدينا اتصال مباشر معكم ولكننا نعرفكم جيدا من خلال احلامكم الليلية..احلامكم تفزعنا وتملئونا بالاكتئاب والذعر..نمحو تلك الشرائط الليلية من الاحلام ولكنها تعود لتجدد باصرار مرضى..ورغم ذلك كنت متاكدة بان هناك بشر مختلفون، لذا أصررت على العيش بينكم…والدى عندما احس اصرارى ورغبتى الاكيدة فى العيش بين البشر وافق ولكن بشرط…الاتفاق النهائى بيننا كان: أن اذهب للعيش فى الارض وبين البشر ولكن بدون بصر..سوف أكون مخلوقة بشرية فى كل شى ولكن كفيفة! وقد يتبادر الى ذهنك السوأل..لماذا؟ الحقيقة لا أدرى أرجح ان والدى اعتقد انى سوف اتراجع عن مقصدى..العيش مع البشر دون رؤية امر يجعل اى عاقل يتراجع ولكنى قبلت الشرط….والدى قال لى قبل ان أذهب انه يمكن ان أبصر فى حالة وحيدة وفريدة ..أن احب شخصاً..اقع فى حب فرد من البشر…قال والدى: العيون تعطى الرؤية ولكن الحب يهب البصر.

– اتحبين الأن؟ – الفتاة لم تقل شيئا بل نظرت عبر النافذة، ثم ادارت بصرها نحوى وقالت ببساطة:

– لقد احببتك انت!

– سيدتى… اخشى ان لا أصلح لكى ايتها الاميرة فانا فقير معدم، اعمل كحارس ليلى وبا الكاد اكسب مايسد رمقى …ثم انى لست وسيما ألم تلاحظى، الاميرة ضحكت بمرح وقالت:            
– لايهم فانا احبك باية حال – شملنا صمت وبدأ ان كل واحد منا يفكر باموره الخاصة…نظرت بطرف عينى الى الفتاة القادمة من مكان لا اعرفه فرايتها لدهشتى  تنهض من على طرف السرير بتكاسل ثم تبدأ بخلع ملابسها بكل هدوء…تنزعهما قطعة وراء الاخرى…اغمضت عيناى ثم فتحتهما… ذلك المشهد لم يكن حلماً! كان حقيقة تجرى تفاصيلها امام ناظرى…انظر مندهشاً الى اردافها الغضة وانعطافاتها  المثيرة…اميرة الاحلام جمعت كل ملابسها ووضعتها على كرسى جانبى ثم إستدارت على امشاط قدميها لاراها بكل تفاصيلها وفى كامل بهائها…المشهد انطبع فى ذهنى ووجدانى بنار تتقد…بهدوء يشابه هدوء الزوجات وهن يضجعن على المخدع مع ازواجهن تمددت الاميرة الى جانبى فواحة الشذى..أمتلات الغرفة بذلك العطر المخدر وبرائحة الانثى المثيرة…الفتاة طفقت تتأمل برهة تشققات السقف باهتمام واستدارت لتضع راسها على كتفى…تاوهت قليلا ثم سالت بوهن وكانها لاتتوقع اجابة مقنعة:
– لماذا انتم البشر مدمرين هكذا ؟

– لا أدرى.

– ماذا بك ليون تبدو منشغل البال!

– لا شى – قلت بعد فترة صمت – البشر عموماً يتالفون من تركيبة غريبة خليط من قسوة وعاطفة…انهم قادرين على تدمير كل شى حتى ذاتهم! مخلوقات ضارة بل خطرة تحمل فى جوانحها كل الاثام وجرثومة الشر نفسه…ومع ذلك يوجد بعض الناس الشرفاء ذوى الافكار النيرة والاعماق المضيئة…الحقيقة لا أعرف الى اين نحن سائرون!

– الا يستطيع الحب ان يروض تلك النفوس  المتوحشة؟

–  الحب موضوع معقد ومتاهى الدروب…تحت تاثيراته لايمكن التعرف على الاشياء بوضوح.. فى مدارات العواطف الخفية وشجونه اللعينة يستطيع البشر احيانا ان يظهروا كل العظمة الكامنة فيهم، فى المعتاد يظهرون الشرور والقذارة والتى فيهم ايضا بكميات كبيرة.

– كنت على وشك ان ارجع الى ديارى وحياتى السابقة، لكنى كنت احس بان هناك شيئا عظيما على وشك الحدوث.

– وماذا ستفعلين الان؟

– لاأدرى – قالت بعد صمت قصير – كل ماأعرفه أنى سوف………

 

لا أتذكر على وجه الدقة كل الذى حدث..استرجع عبر ضبابات الحلم الذكرى العطرة و المبهجة…يطوقنى احساس بالرضا والسلام ذلك المساء ..لااستطيع تحديد اى وقت كنت ادخل  بين سحابات ناعمة تتارجحنى بلطف نحو عالم الاحلام.

 

استيقظت منتصف اليوم…فى الخارج اسمع اصوات اخلاط ..اقدام تمشى وضوضاء واصوات ناس يتناقشون فى أمر ما…. لم يتغير شى من حولى..الكتب مصفوفة على الارفف كما هى…من خلال فجوات النافذة ينفذ بعض الضوء…تذكرت بانى حلمت حلما جميلا غريبا..حلم قد فاض بالعذوبة والحب…لااريد ان انهض الان من السرير..اريد ان اتذوق كل مشهد من ذلك الحلم بتمهل…سوف اترك النافذة مغلقة لكى لايتبخر ذلك العطر الاخاذ المميز…لسوء الحظ بدأت السيدة مانولينا تطرق على الباب وتصيح بصوتها المتحشرج بان على النهوض للتوقيع على استلام خطاب “مسجل” من المجلس البلدى!….ماذا يريد منى هولاء القوم؟ الاسبوع المنصرم قدمت طلباً التمس فيه “الاعانة الاجتماعية”  ولكنهم رفضوا الطلب ..قالوا يجب ان يرفق الطلب بشهادة فقر! من اين تستخرج هذه الانواع من الشهادات؟  لعلها من جهنم! فليذهبوا الى الجحيم…مانولينا لاتزال تخبط على الباب باصرار…انا اتى الان سيدتى… نهضت وفتحت النافذة فغمر الضوء كل الغرفة الصغيرة…الوداع ايها الحلم…. عندما اقتربت من باب الغرفة لاحظت وجود صندوق متوسط الحجم ملفوف بورق لامع وعليه شريط احمر…دقات قلبى تتسارع..افتح الصندوق فاجد بداخله ذلك الحذاء الذى اعجبنى ولم استطع اقتنائه يوم ان صدمتنى بعصاها الاميرة ابنة الاله “مورفى” ….فى قاع الصندوق ترقد بتلة ..ورقة لزهرة غريبة كبيرة ومستطيلة الشكل قد كتب عليها بخط طفولى الرسالة التالية: سوف نلتقى من جديد.

 

 

 

 

فى قلب كل صفقة او بتله صغيرة

 

مكان يكمن فيه ألف حلم   

 

Advertisements
تعليقات
  1. مُخير كتب:

    العزيز دكتور قرن
    الحبان في كل مكان
    سلام ونهاركم سعيد
    إنت يا دكتور اللبطريقتك دي حتكتلنا !!
    في قراءة أولية إستوقفني ما يلي: ((إحتجت الى ثوانى لاستوعب الجملة..شعرت بعدها بروحى تتحرك فى داخلى منزلقة ثم تقع عند قدماى…شعرت بالحنق على نفسى واستأت من استعجالى واللهجة التى استخدمتها…الخ)) فإحترت وفرحت، مشكور يا دكتور وجبة دسمة ليوم الجمعة فقد بدا البوست يتلالأ كشهاب بعيد، ولكن بين الرغبة في الإستمتاع بقرائته ووهج العبارات الآخاذة يتعارض ظرف طارئ ماثلاً كقدر مشئوم فأكتفيت بقراءة أولية (مع الفارق بالتأكيد بين المنتج المغري في البوست وأصل الموضوع) أجدد شكري ولي عودة

  2. مُخير كتب:

    دكتور قرن شطة
    السمار الأبرار
    السلام عليكم وصباح الخير وجمعة مباركة
    لا أدري كيف تصورت أن القصة القصيرة طويلة بعض الشيء وبعد القراءة الثالثة إكتشفت أنها قصة قصيرة جداً، ذات الإحساس الذي خامرني بعد الفراغ من قراءة القصص السابقة للأح شطة، أي مشروع رواية صرف النظر عنه وأختزله في قصة قصيرة، لكن وصلت إلى قناعة بأنها لا يمكن أن تكون سوى على النحو الذي كتبت به، لكن ما برح الدكتور يرمي بتلك العبارات المثيرة للدهشة مثل ((ليتاملها الذين يرون معجزات الخالق ماثلة ثم يكفرون!)) أو التعابير غير المفهومة ولكنها جميلة مثل ((يكتسب ابعاد ملوكية)) ماهي الأبعاد الملوكية ربما قصد الفخامة والأبهة، ولينفي أية شبهة تقمص لروح لاتينية يستعمل الدكتور تعابير عربية قُحة مثل ((وطويل كليل الكليل))، لكن قمة المتعة الطرافة التي تطل فجاءة في تعبير مثل ((عدت الى الواقع بسرعة كما يخرج الغطاس مجهداً الى سطح الماء)) أو ((ضحكة فواحة ناثرة فى الهواء ضوضاء جذلة)) أو ((اظنه يحارب هناك مثل والده!)) ثم الجرعات الفلسفية التي تنتزعك من داخل النص إلى التفكير بشأن أشياء في الحياة قبل العودة مجدداً إلى القصة مثال لذلك
    – زهرات لاتساوى شيئا تتضوع بالعطر بعض الوقت ثم تذبل وتموت …الزهور تذبل وتزول كالحياة.
    – يقولون ان هناك حالات حب تؤدى بالضرورة الى الموت كالحرب!
    – تصرفات البشر الحمقاء..الحروب…المجازر..الظلم…القسوة المفرطة والانانية المطلقة
    – العيون تعطى الرؤية ولكن الحب يهب البصر
    – البشر عموماً يتالفون من تركيبة غريبة خليط من قسوة وعاطفة…انهم قادرين على تدمير كل شى حتى ذاتهم! مخلوقات ضارة بل خطرة تحمل فى جوانحها كل الاثام وجرثومة الشر نفسه…ومع ذلك يوجد بعض الناس الشرفاء ذوى الافكار النيرة والاعماق المضيئة…الحقيقة لا أعرف الى اين نحن سائرون!
    – الحب موضوع معقد ومتاهى الدروب…تحت تاثيراته لايمكن التعرف على الاشياء بوضوح.. فى مدارات العواطف الخفية وشجونه اللعينة يستطيع البشر احيانا ان يظهروا كل العظمة الكامنة فيهم، فى المعتاد يظهرون الشرور والقذارة والتى فيهم ايضا بكميات كبيرة.
    ثم مرة أخرى تنتشر الواقعية السحرية في النص ..الناس تتحرك من حولى دون ان تنبعث منها اصوات…الهواء تكثف وابتدأ يقل فى رئتاى وأحس بصعوبة فى التنقس.
    ومع ذلك لا فكاك للدكتور من النفس اللاتيني الذي يأتي رغماً عنه
    – على الشفتان ابتسامة ناعمة ازلية وخادعة.
    – يكد فى اى شى الساعات الطوال ومع ذلك التعاسة لاتفارقه شبراً.
    أما قمة الروعة ليست في النهاية المفتوحة ((سوف نلتقي من جديد))
    بل في الخلاصة ” فى قلب كل صفقة او بتله صغيرة مكان يكمن فيه ألف حلم ”
    يعطيك ألف عافية يا دكتور

  3. قرن شطة كتب:

    أخونا مخير/ صباحك خير حبيبنا مخير….أرى أنه كان لى كل الحق فى المطالبة بان بان تكتب وتحلل لنا هذه المواضيع المعقدة حيناً والملتوية -عن غير قصد – أحياناً ..نحن ينقصنا النقد للاعمال الادبية وبالطبع بدون هذا النقد ينتفى وجود الادب نفسه..ثم أن النقد نفسه مشكلة فى السودان فاحياناً يصبح سلعة يتاجر بها ومعظم الاحيان القائمين به أو عليه ليست لديهم أدنى فكرة عن الموضوع ثم أن هناك ظلمة حالكة تحيط بالموضوع بل احياناً عندما تسمع بعضهم يتكلم عن الادب والرواية يخيل اليك انهم يتكلمون عن محظورات أو مخدرات ذلك أن الإبهام يغلف الاشياء ويحيط بها إحاطة الخاتم بالاصبع عموماً فى بلد المليون ميل ونيلين كمان؟..اما مايلينا فنحن عيانيين بالقراءة والكتابة هى كانت زادنا ولازالت ولكن الاحساس بالإحباط والفشل والحرث فى أعالى البحار يلازمنا ملازمة الظل….على كل أنا شاكر بطريقة غير عادية مجهوداتك أخى مخير بل واستمتع بما تكتب وتقول…فانت كالذى يفكك رموز الحلم ويحل شفرة الروية..لك شكرى وإمتنانى العميقين وكما يقول المثل الإسبانى Arreros somos y en el camino nos encontraremos فنحن أصحاب مهنة واحدة وتاكيداً سوف نلتقى …تحياتى

  4. مُخير كتب:

    الدكتور قرن شطة
    الحبان الكرام
    السلام عليكم وصباح الورد
    وعد الحُر دين عليه، بعد رحلة قرناطة وعدتنا بالمزيد عن حاضرة مدريد، غير أن البتلة وربما لشدة الحر حبستنا في ”منارة بيقو” ولم تطلع الكاميرا سوى مشوارين صغيرين مع بنت الملك الجني (يا ربي أبوها يكون إبليس) وبعدها ظلننا مصعوقين في الفكر والشعور، أرجعنا يا أخي إلى حديقة “الرتيرو” التي وصفتها في :”أب وأبنة” بأنها الرئة الهائلة التى تتنفس بها مدريد الملوثة، سلط لنا الضوء على بعض معالم المدينة، فقد حدثتنا عرضاً عن سوق الأحد الذي إشترى بطل الفلم منه المروحة، ماذا هناك في مدريد نُريد المزيد عن معالمها البارزة، اليوم إذا ذُكرت أية عاصمة أوروبية وإن لم تزرها يخطر على البال عدة معالم بارزة، خُذ باريس: “برج إيفل”،”قوس النصر”،”متحف اللوفر”، و”الشانزلزيه”..الخ، لندن: “برج لندن”،”قصر باكنجهام”،” الهايد بارك” و”فليت ستريت”… الخ دع الشباب يعرف شيئاً عنها، فالآن أشهر معالم مدريد استاد البرنابيو معقل فريق ريال مدريد،ثم ماذا ؟؟؟ وإن كانت فعلاً ملوثة وليس فيها ما يستحق الوصف ولا حتى متحف الملكة صوفيا، فخذنا إلى برشلونة، و/أو مايوركا، و/أو قرطبة و/أو إشبيلية و/أو سراكوزا وإن تعذر فلنخرج إلى جزر البليار أو ما هو جغرافينا لنا لكن بالعضل بقى لهم زي ماربيا أو جزر الكناري.
    ملحوظة:
    عندنا الناس بعدما تحضر الكورة عياناً بياناً أو عبر التلفاز تلقاهم تاني يوم يتخاطفوا الجرايد بحثاً عن التعليق، وبذات القدر نستطيع الحصول على صور المعالم لكن الحجى يسبغ على الأماكن روح ورائحة خاصة إذا ما ورد عرضاً في نصوصك المتميزة هكذا خلد الأدب روائع الأندلس فجئنا نبحث عنها بين سطورك. بالمناسبة هناك موقع للعرب الأسبان وصفوه بـ”نـقـطـة لـقـاء للـمـهتــمـين بـالعلاقـات الـعـربـيـة الاسـبـانية بـشـكـل عـام وبالثـقـافـة والتـاريـخ الـمـشتـركـيـن للعـالم الـعربـي وإسـبانـيـا وبالنشاطات الاجـتـمـاعـية و الــثـقـافـيـة والـسيـاسـيـة للأقـلـيات العـربية – الاسـبانية” ربما يستحق الزيارة وينعش الذاكرة ويفتح الشهية للمزيد:
    http://www.arabehispano.net
    سلام

  5. قرن شطة كتب:

    صباحك خير / عزيزنا مخير/ عادة عندما يزور أى شحص بلد ما يهتم بمعرفة المعالم المهمة والاثرية والتاريخية فى المدينة ولكن عندما تسكن المدينة زمناً طويلاً – أو ربما تسكنك المدينة – تضيع تفاصيل هذه الاشياء فى خضم حميمية المعرفة، ذلك أنه توجد فى كل مدينة ما عدة مدن مخفية..مدن حقيقية تنبض بحرارة تحت جلود البشر ..المدن التى يعيشوناها الناس يومياً..ينهضون فيها ليعملوا ويكسبوا ارزاقهم..نحن تجاوزنا اسبانية التقليدية السياحية ..اسبانيا الفلامنكو ومصارعة الثيران ونفذنا الى اسبانيا الاخرى الحقيقية..أنا فى مدريد التى عشت بها أكثر من نصف عمرى أذكر فقط الاصدقاء والمعاناة – الخاصة والاخرى – ..الليالى ..ليالى الصبا..ليالى مدريد التى أحياناً وفجاءة تشرق فيها الشمس الساطعة فتبهر عينيك فلاترى الاماتريد ان تريك إياه المدينة…ومع هذا كله لايمنع ان بالمدن اماكن جغرافية تستحق الوصف والوقوف حيالها أو عندها أو حتى عليها…ربما أعود لاصف بصورة خاصة مدريد فى موضوع أخر ان شاء الله…وسوف نتواصل كان ربنا مدا فى الاجال.

  6. نيام كتب:

    قرن شطة:
    ايها الرائع ..العيون تعطى الرؤية ولكن الحب يهب البصر.
    سأعلق بعد القرأة الثالثة.

  7. نيام كتب:

    قرن شطة :
    الرجل ذو الاحلام الرائعة ..صرنا نشتهي نومك!
    والواقع انه داخل احلامنا هنالك محطات تقترب من الواقع ثم تلامسه ملامسة خفيفة تكاد تستحي ، ثم تقفز فوق الواقع لانه محدود الكم و الكيف و الزمان و المكان الي حيث لا زمان و لا مكان ..الي ذلك الشئ الذي تتوق اليه نفوسنا و لكنها لا تطاله ابدا..الا عندما تفارق ارواحنا اجسادنا الي حيث لا زمان و لا مكان الي حيث لا امنيات تخيب و لا كائنات تمر..والنوم بعض هذا..
    والعيون هذه الشاشة الالاهية التي لا تريحنا الا اذا نامت و لا ترتاح الا لرؤية الجمال و التامل في ملكوت الله ..
    “فكرت ان هذه العيون الجميلة لم تخلق فقط لصاحبتهما فلا احد يري عينيه !وانما خلقت للاخرين ..هدية اليه بديعة ليتاملها الذين يرون معجزات الخالق ماثلة ثم يكفرون!”
    وربما الكفر في عدم التامل او قل التامل دون ذكر الصانع !!ولعل في التامل الممزوج بالعفة و السمو وعدم الرغبة ايمان يهذب النفس و يذكرها بقدرة المبدع..
    إن الله جميل الجمال المطلق جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال ، يحب الجمال أي التجمل في الهيئة وفي النفس ، والعفاف عن سواه ” وأما بنعمة ربك فحدث “..قال التجاني يوسف بشير “الهي انت جميل تحب الجمال فكيف عبادك لا يعشقون”..
    انت لست من هنا؟
    – قل لى ما أسمك؟
    هل من الممكن الا يكون لشخص ما بلد؟
    هذا الحوار الرائع الذي ساقه الكاتب في اسلوب دبلوماسي رفيع لرفع الحرج عن عقدة اللون والتي كشفتها لكنته الافريقية التي كلما حاولنا التخلص منها باتقان النطق تعثرنا فيه ..
    وعلي قدر دبلوماسية السوال ” هل انت ملون؟”
    كانت روعة الاجابة و فطنتها بل قل الهروب بها الي الامام ” هل يوجد احد بدون لون؟”
    لا يوجد احد بدون لون و لكنها تعني ما لم تتمكن من رؤيته وما لم تقله لها ..ولعل هذا ما يسبب هاجسا لكل ابيض و يسبب الضيق احيانا و الانجذاب المحموم احيانا اخري ..ولعله ذلك الانجذاب الذي جعل آن همند و ايزابيلا سيمور يبكين علي صدر مصطفي سعيد..
    اما الاسم فهو عالم اخر عالم اللازمان و لا مكان لا يعني شئ فلعلها رموز لاوعية محدودة و الاسم تصنيف لمحدودية.ولكن علي كل حال فابناء الملوك هم امراء و اميرات علّ هذا يوحي بان ما لا نطاله هو دائما ملوكي الهيئة و المنتهي..
    ولكن قل لي تلك الاميرة سليلة الملوك ترتمي في احضان افريقي اسود مبلغ امانيه حذاء يغيب و ينثني فيري فيه الابداع كله فمتي رأي سليلات الملوك من اميرات اللازمان سقطت روحة عند قدميه..ومبلغ فهمي ان اعجابها كان مثل اعجابه لاختلافه عن ذلك اللون المألوف فكل خلق الله تعشق ما لا تطال او دعني اقول تحب ما حرمت منه !!فهي علي الاقل تستطيع ان تقنع بتفردها ذلك ملك النوم (مورفي) بانها انتصرت علي الزمان و المكان ووجدت ضالتها فاستحقت البصيرة اليس ذلك هو المحك “العيون تعطى الرؤية ولكن الحب يهب البصر”..

  8. قرن شطة كتب:

    العزيز نيام/
    كيف أنكم؟ قرأت ماخطه قلمك البارع عندما يريد الحديث والتفصيل…وأصل القصة وأنا قد قلتها ذات مرة باننى كنت أمشى فى مدريد مع صديق لى فرايت إبنة الإله مورفى فى يوم صيف غائظ …لم أتكلم معها بسبب من إستحالة ذلك ولكن ياصديقى تعرف نحنا لنا طرق للكلام والإختلاف والإتفاق…فكانت هذة القصة التى تعذبت بتخيلها واستمتعت بكتابتها ، وقد حاولت خلالها أن اتطرق لامور وأشير الى أشياء وان كانت الإشارة خفيفة أو طفيفة فاللبيب يفهم وبسرعة…أما الزمان والمكان فهو مستباح لمن أراد أن يخترق هذه الحواجز واستطاع ، فالزمان زمان إبداع والمكان يضيق به التحديد والحصر…ربما نحب القصص لانها تجعلنا ننفصل عن الاشياء المحسوسة والواقع المضر العنيد والبليد فنعيش فى واقع من صناعتنا ومن نسج خيالنا ورسم الاقلام…أما الحب فهذا أمر عجيب ومريب فى نفس الوقت ياصديقى..ففى متاهته لاتعرف الاشياء كما هى ولاتبدو الامور على حقيقتها وماهيتها ..لهذا ونحن بشر – نحمل بين الجوانح روح ولاندرى ماهى واين تقبع – نهفو الى السمو أو ربما الى السماء ولانجد انفسنا الا فى حضرته وفى حماه بصرف النظر عن لونه ونوعه ومستواه …لك التحايا وسنتواصل إن شاء الله..

  9. Nourlight كتب:

    قرن الشطة… صاحب القلم الامير…

    كنت متأكدة طوال الوقت ان للشعر شيطان يوحي به الي الشعراء..ولكني الآن تأكدت ان للقصة ايضاً ما يوحي بها…فتخرج عميقة بشكل صادق و مجنون..فتوحي هي الاخري بما توحي به…

    قد يظن ظان انك مثلاً تروي قصص بعضها تستقيه من الواقع وبعضها حقيقي..لكني لا اظن ان عمر انسان واحد يكفي لأن يعيش شخص واحد من الفكر والاحساس والتحربة الانسانية كل ما ترويه و لا في قصة واحدة…فكلها تجارب “شعورية” هائلة وعميقة…ولذلك فأنت تكتب لنا اشياء قد تكون جديدة عليك انت نفسك وربما انت نفسك تراها و تتحسسها لأول مرة بينما انت ترويها وتكتبها علي الورق…

    رواية القصة بحدّ ذاتها كفن ومهارة لا تستهويني كثيراً…لكنك تُضمّن قصصك الكثير من النظريات والافكار المدهشة التي تستهويني و تستوقفني وتدهشني..كما ادهشت “ليون” الفتاة العمياء… واستمتع جداً بالغوص فيها واستكشافها…وهي تجعل من قصتك مسرحاً مضيئاً لسرد نظريات نادرة وثمينة…وتعطي بالتالي لفن القصة “بعينيّ” ابعاداً جديدة…

    يتبادر الي ذهني دائماً ان اشكرك…و لكنها “علي الارجح” فكرة غبية…
    و لذا دعني ان اتمني منك ان تواصل دوماً اغراقنا بمثل تلك الابداعات التي لا تكفي و لا تليق كلمات بوصف ماهيتها…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s