يوميات مغترب شرع في إجازته السنوية (4)

Posted: الأربعاء,13 يناير, 2010 by monimdeef in إجتماعية

كما ذكرنا بعد أن رأى صديقنا ورفاقه الباب قد فُتح ، تركوا ما بينهم من حديث و(قهوة)وهرعوا مسرعين إلى الصالة حيث دخلت العربات اليدوية ( الدرداقات ) التي تحمل أغراضهم إلى صالة الجمارك أخيراَ ودخلت معها مشاعرهم وقلوبهم ولهفتهم وخوفهم ، توزع عمال الشحن بسرعة فائقة على تلك (الكاونترات) الأسمنتية التقليدية البائسة التي تفتقر إلى أبسط مقومات (الكاونتر) الحديث ، وكل منهم بدأ في إفراغ حمولة عربته اليدوية على أحد أسطح (الكاونتر) الطولي، وبدءوا في فتح (الشنط )وفك الأربطة لتجهيز أغراضهم للتفتيش الجمركي ، بدأ صاحبنا في حالة انزعاج مما قد يفاجأ به من تلف في محتويات شحنته . كان عساكر الجمارك يتجولون جيئة وذهابا مملئون بالزهو الخيلاء والثقة بالنفس اقرب ما يمكن تشبيههم به مراقبي امتحانات الشهادة السودانية ،وصاحبنا ورفاقه كالطلاب الغير واثقين من مذاكرتهم ويملئهم الرعب والتوجس والهم ،الأجواء مشحونة والترقب والحذر يسود المكان .العمال منهمكون في مسألة التجهيز لمرحلة الفحص وانتهاء دورهم وقبض يوميتهم الضخمة التي تفوق يومية هؤلاء المغتربين التعساء وكل (زول) غارق في همه و( الفيه مكفيهو ) ، العمال مهمومين بقبض يوميتهم والانصراف وجماعتنا مشغولين بما هم فيه من وضع لا يحسدون عليه .

بعد مرور حوالي ساعة من الزمن وبعد أن أطمأن العسكر إلى أن الوضع أصبح جاهزاً ، بدءوا في عملية التفتيش وجاء دور صاحبنا المسكين، فسأله المفتش بنبرة يملؤها الحزم والصرامة وهو يغوص بأصابعه في قاع أحد الشنط:

 المفتش : معاك ( ريفسرات ) ؟

صاحبنا : بصوت خفيض ينم عن التوسل والرجاء( معاي واحد صيني شايله هدية ).

المفتش : الكرتونة دي فيها أجهزة كهربائية ؟

صاحبنا : لا والله دي مواد تموينية  بس.

المفتش : أفتحها .

صاحبنا : أشار للعمال بفتح الكرتونة فصقع بأن الحاجات الجواها صارت (كُفتة )، اختلط (الترايسي) بالحليب (بالصلصة )، أصابت صاحبنا نوبة مقص مفاجئة وحس أن (مصارينه ) قد عجنت كمواده ، وضع يديه على رأسه لمدة   ثم انزلها وتنهد بألم وحسرة وقال مفوضا أمره لله ( لا حوله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) .

 العسكري : الطرد ده فيهو شنو ؟

صاحبنا : ده مطبخ ألمونيوم سعادتك مستعمل .

 العسكري : افتحه وافتح التاني ده برضه بسرعة .

صاحبنا : مشيرا للعمال بفتح الطرود ويا لخيبة الأمل حين رأي ( قزاز) المطبخ ( مدشدش) وبعض الألواح تشققت   فتنهد مرة أخرى وشعر بمرارة شديدة في حلقة وبلع ريقه كي ينزل هذه المرارة إلى بطنه مرة أخرى لكنه لم يجد ريقا يبل به حلقه الجاف فاستغفر وسكت .

العسكري : يأمر بـ (لزق الديباجات ) والإفراج عن ( شحنة ) صاحبنا كاملة دون أن يدفع أي جمارك وكان لسان حال العسكر يقول له ( والله صٍعبت عليّ) كما يقول أخوتنا المصريين ، أو ( الله يعينك ) كما يقول إخوتنا السعوديين ،وذلك لبساطة وقلة ما معه من أغراض وما لحق بها من تلف .     

قام العمال بإعادة عملية تربيط الطرود وإعادتها لوضعها السابق وقفل ( الشنط ) ولكنهم كالعادة لم يقوموا بهذا العمل بطريقة جيدة ومهنية بل بطريقة ( الكلفتة ) السودانية المعروفة ،وأعيد إلى العربة اليدوية التي حملته إلى ساحة الميناء الخارجية للميناء حيث ( الموقٍف ) والعربات غالية الأجرة التي أصبحت معروفة لديه ، قام باستئجار ( بوكس ) لحمل أغراضه إلى الفندق بغرض تسليمها لمكتب السفريات ، إيجار ذلك ( البوكس ) كان خرافيا حقاً كأنه يعمل بالزئبق الأحمر وليس البنزين ،الأجرة التي دفعها صاحبنا مرغما لسائق ذلك ( البوكس )كانت شيئاً أصابه بكمية من الأحاسيس والمشاعر المتناقضة أكثرها تأثيرا عليه كان المرارة الشديدة التي أحس بها ولكن في قلبه هذه المرة ، لا توجد (بصات) للخرطوم في ذلك اليوم ولا سفر إلا فجر اليوم التالي من استلام العفش وهذا أمر معروف للجميع ومن المسلمات إلا لصاحبنا الذي تفاجأ وتساءل ، لماذا لا تكون (البصات) مصطفة خارج الميناء في انتظار خروج الناس من الجمارك وحملهم مباشرة   إلى مدنهم وقراهم وما مبرر إعادتهم إلى الفنادق لإقامة يوم إضافي إلزامي؟ ، سخر منه الحاضرين على هذا الحلم الرومانسي الذي لا يشبه سواكن فسكت واستدعى الصبر الذي لم يعد يملك الكثير من المخزون منه والذي شارف على النفاد. وصل صاحبنا إلى الفندق وتم تسليم العفش لمكتب السفريات وتم الدفع مرة أخرى نظير إنزال العفش ، في سواكن كل خطوة لها تكلفة منفصلة عن سابقتها ، دفع أجرة إخراج العفش إلى الخارج كمرحلة كبيرة ومهمة وباهظة التكلفة ، ثم دفع أجرة ( البوكس ) الزئبقي كمرحلة ثانية ، ثم دفع أجرة رفع العفش (للبوكس) وهذه مرحلة صغيرة وقبل الأخيرة ، وأخيرا تم دفع تكلفة إنزاله بمكتب السفريات ، أما المرحلة بعد الأخيرة فقد كانت نزول قلب صاحبنا و( طلوع زيته ) حيث بلغ ( الزهج ) والإحباط والإحساس بالكرب والعنت والمعاناة منه مبلغا لم يمر عليه طيلة سنوات عمره الفائتة.

عاد صاحبنا إلى( سريره) بغرفة الفندق لقضاء بقية اليوم الإلزامي في انتظار الإقلاع إلى الخرطوم فجر اليوم التالي ، لم تطاوعه عينيه على ( الغميد ) رغم ما به من تعب ، ظل شارداً وعيناه معلقتان حيث مروحة السقف التي تنفث زمهريرا على جسده المنهك ، جال ببصره في الغرفة يتأمل الـ ( finishing ) الرديء لها ويعقد مقارنة بينها وتلك التي بات فيها بجدة ، لم ير فيها ابسط أبجديات الذوق والجمال والتآلف، ولم تتحمل عيناه منظر الحفرة الكبيرة المجاورة لمروحة السقف و( لفة ) الأسلاك المتدلية منها ، أبت نفسه الرقيقة النشاز الصارخ ما بين لون الجدار ولون الباب والمروحة حيث لا تلتقي في أي من لمسات التناسق والتآلف التي تجعلها تجتمع في غرفة واحدة ولا تمنح من يدخلها أي إحساس   بالراحة النفسية والأمان . وصوت مولد الكهرباء العالي و( المزعج) زاد أعصابه توترا وعيناه بعداَ عن النوم . نزل صاحبنا إلى السوق يلتمس غداءًاَ رغم عدم إحساسه بالجوع ولكن كهروب من هذه الغرفة البائسة ، وجد بعض النسوة يبعن الغداء في فناء أحد العمارات العتيقة ، جال ببصره على ( الحلل ) المليئة بالـ     ( البامية المفروكة) والملوخية والفاصوليا و( الرجلة ) وغيرها من الأطعمة التي لم يثيره منظرها لبؤس وتعاسة المكان المعروضة فيه، ولكون أسعار هذه الوجبات البلدية في سواكن تفوق أسعارها في أي بوفيه مفتوح في فندق راقي في أي بلد في العالم ، طلب صاحبنا ( كسرة) فرمت البائعة ( صبتين ) منها ودلقت فوقها بعض ( الملاح ) وناولتها إياه دون أن تنظر في وجهة من شدة مشغوليتها وازدحام الزبائن حولها .

نام صاحبنا ليلته الأخيرة بحوش الفندق بسواكن مبكراً على أمل السفر فجراً، وقبل طلوع فجر اليوم الثاني كانت (البصات) مصطفة لحمل الركاب إلى الخرطوم ومدني وعطبرة وكسلا وغيرها ، كان صاحبنا من سكان الخرطوم ، ركب بصاً وثيرا وانطلق بهم بسرعة ممتازة عن طريق شارع عطبرة الجديد الذي يختصر كثيرا من المسافة ، أحيانا يميل للتناوم وأخرى يتصفح الجريدة التي بيده وثالثا ينتبه للفنان الذي يصدح من شريط فيديو بالبص ، كانت الرحلة للخرطوم طويلة وشاقة ومملة ولم يكن بوسع الناس فعل شيء سوى الصبر ، اتصل صاحبنا بزوجته وأخطرها بموعد وصوله للميناء البري بالخرطوم ، وعدته بأن تقابله ومعها ( بوكس ) لحمل العفش ، طلب منها إحضار البنات معها لشوقه الشديد إليهن وعدم قدرته على الاحتمال أكثر من ذلك ، عند الرابعة عصراً دخل البص الخرطوم وقطع كوبري القوات المسلحة متجها نحو الميناء البري ، اتصل بزوجته واطمأن لوصولها الميناء البريء بصحبة ( البوكس ) والبنات ، دخل البص إلى داخل المواقف بالميناء البري ورأي من النافذة بناته وزوجته في انتظاره ، انتابته في هذه اللحظة مشاعر دافقة وأحاسيس جياشة عند رؤية أسرته أنسته الكثير من معاناته ، نزل صاحبنا من البص متأبطاً كمبيوتره المحول وعانق بشوق بناته الصغيرات وصافح أمهم ، وقفوا جميعهم في انتظار استلام العفش ولكن فوجئوا بأن العفش تحمله ( تريلا ) تابعة للبص ستصل غدا وليس اليوم كما كان فاهماً ،وطلبوا منهم الانصراف ومراجعتهم غدا ، طمأنته زوجته بأن لا مشكلة و( بكرة قريبة ) فتوجهوا جميعا نحو البوكس بغرض الانطلاق للمنزل ، في هذه اللحظة ادخل صاحبنا يده في جيبه لإجراء مكالمة لطمأنة أهله بوصوله بالسلامة ولكن المفاجأة المدوية أنه لم يجد ( الموبايل ) واتضح أن أحد النشالين الحرفاء بالموقف ( سحبه ) أثناء انشغاله بعناق بناته ، ومن هنا بدأت مع صاحبنا مرحلة النشالين والغش والخوازيق ، توجه مع زوجته وبناته إلى حيث منزله ولكن في قلبه حسرة بسبب ضياع الجوال الفخم الـ N95 الذي لم يهنأ به .

ونواصل

 

Advertisements
تعليقات
  1. تعرف يا عبدو كنت اتمنى انها تنتهى بانه فجأة صحا من نومته وحمد الله انه كان بحلم هههههه ياخ لكن ماخبيت صغيرة ولا كبيرة الا ضمنتها روائعك دى وماتعرف تبكى ولا تضحك للمآسي دى … ربنا مايحرمنا منك ومن ابداعاتك ياغالى

  2. عبدالرحمن أحمد كتب:

    أستاذ عبدالمنعم
    تحيات كترات
    يا أستاذ خليتنا نشيل هم الرجعه ونحن يداب في تجربه م الغربه عمرها ستة أشهر
    غايتو ربنا يسهل
    الاجراءات في البلاد تحتاج لفرمته

  3. مستر راعى كتب:

    شكرا ليك استاذ عبد المنعم
    امتعتنا بالسرد بتاعك وفى نفس الوقت عذبتنا المعاناة
    لكن ياهو ده السودان كلام واهمال
    الله يرحمنا ضايعين وسط الضباب بنتلمس طريقنا
    كسرة :
    ربنا يخفف عن كل المغتربين
    من الصباح بديت اعلق على موضوعك بعد قريته الكهربا قطعت وامرتنى بالانصراف والانسحاب وعدم التعليق يعنى الموضوع معاناة وجاتنى المعاناة بقطع الكهربا
    —————————————————————-نقطه ونقيف

  4. عبد المنعم كتب:

    شكرا اساتذتي عبد الرحمن ومستر راعي وياهو ده السودان خرمجة وبهدلة وسؤ تخطيط وسؤ ادارة وماشي بالبركة

  5. ابو رؤى كتب:

    متابعين ومتعذبين مع صاحبنا دا .. هل في تكملة لهذه القصة ؟؟ أم أنها وقفت هنا بس ..؟؟؟
    شكراً استاذنا الكبير عبد المنعم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s