إستشهاد أمجاد‏

Posted: الخميس,11 مارس, 2010 by sobajo in إجتماعية

كان عصام , يتابع بدهشة طفولية , أعمدة دخان سيجارته , وهي تصعد في خطوط عمودية , نحو الأٌفق , ثم تتلوى في حركات , حلزونية , راقصة , لتختفي تدريجياً , في فضاء شرفته , المطلة على الشارع . كان يقارن ذلك بواقع حاله , وأفكاره التي سرعان , ما تذروها الرياح , كلما شرع في تنفيذها على أرض الواقع . كانت سيجارته , في رمقها الأخير , عندما همّ بإشعال الأُخرى , مؤمناً بأن , إشعال سيجارة , إثر أُخرى , سوف يدعم بنات افكاره , التي كان يقطع , تسلسلها رنين الهاتف من وقت الى آخر . في سره يصب جام غضبه , على الهاتف ؛ هذه الآلة التي لا تحمل في طياتها سوى ” الهوا ” . ولا ينسى تفريغ ما تبقى في جعبته من لعنات , الى صندوق البريد الذي لا يأتي الا بالفواتير , في بلد يأخذ بشماله , ما يعطيك إياه بيمينه , بكل ظرف ولطف . مع نفسه يدندن : يا زمن وقف شويه واهدي لي لحظات هنية . يردد هذا المقطع عدة مرات , مرسلاً نظراته الملتاعة , الى ساعته الحائطية , التي تتلاقى عقاربها لدرجة الالتحام , ثم ما تلبث أن تفترق , لتنفرج زاويتها شيئاً فشيئاً , كأنها تسخر منه ضاحكة , دون أن تستجيب لنداءاته المستحيلة . كان المقطع , يخرج من دواخله , بحشرجة , تثير الشفقة . ومن أعماقه يضحك على صوته الأجش , وترجع به الذاكرة الى سني المرحلة الإبتدائية , عندما تقيأ يوماً خجله , وتطوع بكل حماس , بتلحين نشيد إسماعيل والقط , وما لاقاه من زملاء صفه من موجة ضحك , وسخرية , وأخيراً , حكم الإعدام , الذي اصدره مدرس اللغة العريبة : صوتك يا عصام يذكرني , بطاحونة قريتي . انصحك بعدم تكرار هذه المهزلة .
( يا زول أمريكا دي إما بزنس إما دراسة !! ) … عبارة , طالما سمعها مراراً وتكراراً . بعد كل جلسة نقاش , مع الأصدقاء . فآمن بها إيماناً مطلقاً , وأضحت شعاراً , يحمله بين ظهرانيه , اينما حلّ . لكن أنىَ له بالبزنس أو الدراسة , مع التزاماته المادية تجاه أهله , و” طائشة الضفائر ” التي تنتظره منذ سنوات , لإقتحام القفص الذهبي ؟ . كانت المعادلة صعبة , وجد حلها أخيراً بعد اقتناعه بنظرية , خاله ” ابو شنب ” . فأرسل له من – دم قلبه – آلاف الدولارات , لشراء سيارة ” أمجاد ” , علها تغنيه , عن التحويل الشهري . وقبل أن يلتقط عصام , أنفاسه , ويتنفس الصعداء , تتوالى عليه الإتصالات الهاتفية من السودان , تخطره مرة , بهروب السائق بالايراد الشهري , ومرة بعطب السيارة , والحاجة الفورية الى قطع غيار , وأخيراً وليس آخر استشهاد أمجاد في حادث حركة مروّع , أرسلها – مأسوفاً عليها – الى زريبة الحلبي بأُمدرمان !! . وقبل أن يفيق عصام من صدمته , تتوسع دائرة الطلبات , و تأخذ طابعاً آخر هذه المرة , حينما يطالب , بمضاعفة ما كان يرسله بحجة انهيار الجنيه السوداني أمام الدولار الامريكي ! … وتنقضي خمس سنوات حسوما بدون بزنس أو دراسة أو ” بطيخ ” , بل تنقلات “مكوكية ” من شركة الى أُخرى , وتساؤلاتٍ متكررةٍ , من الأُم : متى تعود يا عصام للزواج ؟ اريد أن افرح بك , قبل أن اموت !!
تساؤلات صعبة , يبحث عن اجاباتها , في لفافات السيجاير , فلا يجدها الا دخاناً يتلاشى في فضاء الحيرة والضياع . رائحة حريق , تنبعث من داخل المطبخ , تعقبها صافرة انذار , يقفز على إثرها عصام , من مقعده كالملدوغ , ويندفع كالقذيفة نحو الموقد , ليجد ” حلة البطاطس ” قد احترقت قبل أن تنضج أفكاره المشتتة

Advertisements
تعليقات
  1. تحية يا سوباجو (طبعن ما أقول ليك ما غيرت اسمك)

    قصتك القصيرة رائعة و محبوكة و فعلا محيرة و أمثال عصام كثيرون فقد تفرقوا في أرجاء المعمورة يبتغون سعة في الأفق و الرزق و قد توفق البعض و انخرط في المجتمع الجديد بكل حرفنة و لمو الدولارات و غيروا الجنسيات و شافوا الأهل برضو و منهم من توفق و لكن عمل طناش من العقاب ليس جفا و تنكر لهم و انما للظروف الصعبة التي انخرطوا فيها و للتحديات التي واجهتهم ليثبتوا ذاتهم…
    عموما معذور كل من قصر في حق أهله و طبعن ليهم حق فالمجتمع الغربي ليس به مثل موروثاتنا هذى فكل من بلغ الثمان عشر اعتمد على نفسه و انطلق ليعيش نفسة و بنفس المستوى يدفع الوالدين شبابهم لذلك عندها و لا يستوجب عليهم كثيرا ايوائهم…
    أعتقد أن مجتمعا بهذه المواصفات ربما يؤثر على ناس عصام و عبد السلام و يحدفهم بعيدا عن مرمى أهلهم…
    و الذين تواصلوا مع أهلهم بعد ذلك ربما تفتر “الفريكونسي” شوية شوية و ربما تنقطع…

    لكن حكاية الأمجاد و الروزا دي اصلوا ما بتنجح حتى لمن انقطع من الاغتراب و ظل يراقب أمجادو ربما تفتر همته بشغل السواقين النص كم و ينتهى راس مالو…

    عبر عن ذلك الموقف ناس الهيلاهوب في اسكتش كوميدي أرجو أن يكون القراء قد شاهدوه فهو يلخص نتاج شورة تقدم بها جار (عمك عابدين) ليدفعه نحو شراء أمجاد بالاقصاد فأنظر ماذا حدث….!!

    تحياتي… واصل

  2. elturkey كتب:

    المبدع سوباجو …. نفس عصام (سودت عيشة) عصام علمته الفر والاقدام ….. أمثال عصام ضحايا من غير جانى فلا ندرى ايهما جنى عليهم هلى عاداتنا وتقاليدنا التى تحاصره كى يدعم بقدرما يطلب أم سوء تصرف المدعومين حيث انهم لم يفكرو بان لعصام مستقبل وخطط عليه تنفيذها … أرى ان تتولى الأمر طائشة الضفائر فاما ان يرجع للكفاح من جديد واما ان يخططان حسب الايراد اذ اتضح ان عصام يعانى من ألم نفسى بدأ بتصغير المعلم له وهو لايزال يافعا فكبر وكله اذن صاغية لما يقال حوله او يطلب منه دون التفكير فيما يريد هو شخصيا …. هناك عصام فى دول المهجر كافة مع أمل عودة الراغبين جميعا ظافرين غانمين ولا اقول بخفى حنين بل بمابين اليدين … ياخوانا الحجر تقيل فى محله ولو اتزحزح ببقى ورقة بن نوفل .

  3. طارق أب أحمد كتب:

    ما دام فى صحه ما فى مشكله
    والدة عصام و أب شنب و البنيه و الأخوان
    و الجيران
    زملان الشقا
    الجا من الجريف ..
    الجا من الجبل ..
    عل الناس بخير ..
    صبح هاظرهم نقنق ناقرهم وغاظوه ونعل
    وعم عبد الرحيم ما بخبر زعل
    كل الناس هنا ما بتخبر زعل

    ياخى بركه الجات فى الأمجاد

    زلان الشغل الجه من الجر

  4. أخي وصديقي مالك
    تحية عطرة ولإيداعك ….
    طبعاً أخوانا عزت والتركي لم يتركوا لنا إي شاردة في التحليل الرائع …بس حاج السلاوي ما قال حاجة
    والله يا جماعة كلكم أخيار وليت فيكم وزير ومعتمد …كان البلد حالها تحسن كتير…ملاحظين إنو كل مبدعين المنتدى من الكواشف يعني تجارب زمان ودراسة زمان وتربية زمان ….فثورة التعليم الزائفة الآن لا تمدنا بغير الفنانيين النص كم …
    أبكرونا…هجار الإنتخابات قربت ما سمعنا حاجة منكم….والله لمن تشوفو الدعاية الإنتخابية للجميع تقول بكرة خلاص البلد حالها حينصلح …
    يا سوباجو…بالله إتذكر لينا العباسية والموردة والهاشماب برائعة من الذكريات … خريطة سوق الموردة القديم :

  5. sobajo كتب:

    اخي د.عزت
    آسف جداً لرد المتأخر لأنني لا استطيع النشر مباشرة بل ارسل المشاركة عبر البريد ثم انتظر لليوم التالي لهذا يتعذر علي الرد مباشرة . اما الاسم المشكلة فقد غيرته لكن يبدو ان هناك مشكلة فنية لا ادري ما هي . و اوافقك فيما يتعلق بتقسيمك لشريحة المغتربين . لكن المؤسف ان عينة عصام يمثلون اغلبية لهذا يجنون السراب من اغترابهم

  6. sobajo كتب:

    شكراً لك ايها التركي وسلامة الحجة مرة ثانية . العادات والتقاليد تلعب دوراً وكذلك المدعومين الذين لا يقدرون ظروف الطرف الآخر واحتياجاته وتحليلك النفسي لعصام قد يكون في محله فشكراً على هذه الملاحظة .

  7. sobajo كتب:

    يا اب احمد كلامك في محلو
    الصحة والعافية فوق كل شئ وبدونهما لا يكون للحياة طعم ولا لون .
    اللهم متعنا وامة محمد بالصحة والعافية ورحم الله عمنا عبدالرحيم

  8. sobajo كتب:

    اخي صديق
    بعد التحية يبدو ان حاج السلاوي لن يتداخل معي مالم اغير اسمي العجيب هذا لانو مكجنو عديل كدا الظاهر .
    واذا امد الله في الايام فسوف اكتب عن العباسية وذكرياتي فيها ولو سمحت ارسل لي رقم تيليفونك .

  9. حاج احمد السلاوي كتب:

    عفواً أيها السوباجو ..ليس الأمر بهذا القدر من الكجنة ولك أن تختار من الأسماء ما يعجبك وما تشاء..وأرجو ألا تاخد فى خاطرك أبداً ودع التحسس جانباً .
    تألمت جداً للحال الذى وصل إليه أخونا عصام وبدا لى أنه يماثلنا فى حالنا حتى بدون أمجاد أو ركشة ..فنحن ضحينا بكل شىء فى سبيل تعليم الأبناء تعليماً يعينهم على مواجهة الحياة .. ونحمد الله حمداً كثيراً أن وفقنا إلى ذلك.
    كسرة سغيرووووونة ..ما تبقا حساس محمد حساس ..إتفقنا ؟

  10. sobajo كتب:

    صباح الخيرات يا حاج السلاوي
    وجمعة سعيدة معاها عصيدة
    وشكراً على المداخلة واعدك
    ان اقلل احساسي شوية حتى
    استطيع مجاراة القوم .
    ومن اعماقي ادعو لابنائك الكرام
    بالخير والتوفيق في الدارين
    وتأكد بأن تربيتهم وتعليمهم يعتبر
    اكبر مكسب في هذه الحياة .

  11. سوباجو والحضور الكريم
    جمعة مباركة
    قصتك يا سوباجو ذي ما قال الأخوة تعبر فعلا عن حال المغتربين وما يعانونه.
    مثلا أنا في أول سنين الاغتراب حرمت نفسي من أي حاجة بس لقيط الريالات .
    في أول إجازة ما خليت زول من الأهل والجيران ماشلت ليهو هدية.
    اشتريت لأخوي الصغير سيارة تكسي عشان يساعد بيها نفسو وناس البيت.
    مع ذلك كل سنة أرسل للبيت غير طلبات الإخوات، العاوزة مسعادة عشان تكمل بيتاوالعاوزة ما عارف ايه وهكذا تسير الأمور.
    المهم الأخ الصغير الله يديه العافية كلما انزل إجازة طلباته تكتر. التكسي عاوز بطارية التكسي عاوز لساتك الخ…وفي النهاية باع التكسي.
    الغريبة أخواتي كلما انزل إجازة محمل بالشنط والهدايا وبعد ما تاخد كل واحدة الفيها النصيب ، هاك يا نصائح : ياخوي انت ليه ما عملت لنفسك حاجة؟ الناس عملوا بيوت وعملوا وعملوا….. وانت لحدي هسه ما عملت حاجة !!
    المهم راجعت نفسي ومن ديك والى أن تزوجت بمشي الإجازة بهاند باك واحدة بس وعندما يسألوني عن الهداياكانت اجابتي جاهزة (دي اجازة ما مبرمجة يعني جات فجأة وما قدرت اخش السوق)

  12. سوباجو
    أقول ليك حاجه أنا زعلان علي حلة البطاطس
    عارف ليه!!!؟؟
    لأنه أهلي الفوق ديل إبتداءاً من د.عزت ولحدي ولد الباشا ما قصروا
    وإنت كمان ماقصرت
    يقصر الملح من الملاح
    واصل يا حبيب ودينا العباسيه وخور أبو عنجه وواشنطون دي سي كمان

  13. البشاوى كتب:

    سوباجو القاص المبدع
    لك التحية على هذه الروعة والتصوير المتقن لحال عام كان متمثلا فى عصام السجم – إنها مأساة مجتمع انهكه الظلم وأضناه البحث عن آدمية هربت من بين شقوق وطن جفت نضرته وغار معناه طريدا بين غربة وسط الديار والاهل وبشاتن حال اغتراب فى مشارق الكون ومغاربه -ولانملك الا قول البروف – الله يجازى اللى كان السبب

  14. sobajo كتب:

    اخونا ود الباشا
    مليون سلام ونظرية الهاند باك خطيرة جداً وسوف اجربها .
    ومشكور يا حبيب .

    الاخ عبد الرحمن
    معليش يا فردة سوف نعوضك خروف كامل بس حصل الرحلة بتاعت جماعة عملت لي شنو في المودوع . وسوف اكتب عن العباسية ان شاء الله تعالى .

    العزيز البشاوي
    يا ربي انت البشاوي بتاع بورتسودان ؟؟
    اتمنى ان تكونه فحينها سوف تكون اجمل صدفة .
    وشكراً على المداخلة والاعجاب .

  15. التركــــى كتب:

    شكرا ليك زميل سوباجو وان شاء الله تسلم ياغالى … الحمد لله بلغت تمام الصحة والعافية بفضل الله ودعواتكم الصالحة .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s