المقعد الخلفي

Posted: الأربعاء,14 يوليو, 2010 by sobajo in إجتماعية

كانت قصيدة قد بلغت حد كمالها , ايقاعاً ومضموناً وقافيةً وموسيقى , في اواخر العشرينات , سمراء , ممتشقة القوام , غجرية الشعر , ذات جمال يعلن عن نفسه دونما تكلف او ضجيج،  مرغمةً كل من ينظر اليها من أول وهلة ان يردف النظرة بنظرات أُخر دونما توقف . لم تكن تبدي اكتراثاً لجمالها رغم نظرات الاعجاب المصوبة نحوها من كل حدب و صوب . كان كغيره لا يدع فرصةًً تفوته دون أن يختلس النظرات اليها ؛ نظراتٍ تزيل عن كاهله غبار التعب والمعاناة , وتفجر في سمائه الموحشة امطار الفرح والحب والألق . جمعتهما الصدفة للجلوس في المقعد الخلفي لبص الحادية عشر مساءً , المتجه الى دينفر/ كولورادو , قادماً من مدينة ارفادا .هي على ما يبدو فضلت الجلوس في الخلف , هرباً من ثرثرة سائق البص العجوز الذي يدس انفه في ما يعنيه وما لا يعنيه , فلا يترك شاردةً او واردةً الا ويقحم نفسه بالتعليق عليها مع قهقهةٍ صبيانية صاخبة لا تناسب وقار سنه , اضافةً الى ضجيج عمال منتصف الليل الذين كانوا يضايقونها بنظراتهم الشرهة وصخبهم الذي لا يطاق . اما هو فكان يبتغي الاسترخاء في المقعد الخلفي بعد عناء يوم عمل طويل .أصبح المقعد الخلفي مزاراً تحج اليه العيون المعجبة , وتطوف حوله القلوب الهائمة , المسحورة بتلك اللوحة البشرية الخلابة . اعتادت أن تشرئب بجيدها الغزالي ناحية السائق بين الفينة والاخرى , في شوق حار يسابق عجلات ذلك البص الذي يمشي الهوينى , كأنه يعاند رغبتها في سرعة الوصول . حركاتها القلقة توحي لمن يراها , برغبتها الملحة و شوقها الدفاق لانجاز لقاءٍ دافئٍ مع حبيب مرتقب . حيث يزداد وجهها رونقاً وبريقاً كلما اقترب البص من محطة وصولها , بينما تغشى صاحبنا سحابة من الحزن لفراقها . فيكتمل بدر فرحتها حينما يتوقف البص لتغادره مهرولةً , في فرحة طفولية عارمة . كان يشيعها بنظراته الملتاعة , حتى يبتلعها ذلك الزقاق الضيق , بينما في قرارة نفسه يحسد ذلك المحبوب الذي فاز باخلاصها الذي كان يولد ويتجدد امام ناظريه كل ليلة . هكذا اعتاد ان يراها كل ليلة , فأصبح كلاهما مألوفاً لدى الآخر , حيث لغة العيون وسيلة التخاطب الوحيدة منذ أن التقيا . صار غيابها عنه يؤرقه ويفسد عليه نومه , فلم يجد تفسيراً مقنعاً لذلك الشعور ؛ اذ لم يكن حباً بمعنى الكلمة ولا عشقاً بصريح العبارة , بيد أنه كان شيئاً اشبه الى الالفة التي لا تتحمل مثقال ذرة من الم الفراق .
اللعنة ! مقعدها خالٍ تماماً هذه الليلة !! لقد تركت فراغاً عريضاً ووحشةً لا تطاق في البص بأثره !!
عيون عمال منتصف الليل تبحلق في في مقعدها الخالي , فتقتلها الحيرة . نظرات استفهامهم ترمقه دون أن تجد اجابة.
لليوم الثاني تغيب , وتزداد النظرات الحائرة . ويلبس البص ثوب الحداد ويغوص ركابه في لجة ٍ من الصمت العميق ويكف سائق البص العجوز عن ثرثرته وضحكاته المجنونة . صارت نظرات الركاب المتسائلة وهمهماتهم تعذبه وتزيد من حالة اكتئابه . يمعن النظر في محطة نزولها وفي الزقاق الضيق عله يجد لها أثراً , فينقلب اليه بصره خاسئاً حسيراً . في اليوم الثالث قرر أن يجلس في المقعد الامامي اتقاءً من نظراتهم المؤذية , لكنه رآها هناك في المقعد الخلفي , بلحمها ودمها , غير انها لم تكن كما عهدها ؛ فقد انطفأ عن وجهها ذلك البريق , وغاب عنها ذلك التوهج .
تلاقت اعينهما لدرجة الذوبان . قرأت في عينيه اللوم والعتاب وجيوش التساؤل والحيرة . تعطلت لغة العيون بينهما لأول مرة لتخاطبه بصوتٍ اجش , كأنه آتٍ من وادٍ سحيق :
– لقد مات !
– من مات ؟
– كلبي العزيز!!

Advertisements
تعليقات
  1. عزت كتب:

    I am sorry
    زي ما بيقولوا أولاد جون لبعضهم عندما يفقد أحدهم شخصا عزيزا و طبعن هنا في هذه المرة هو الكلب العزيز لذات الجيد الممشوق و النظرات الشنو ما بعرفو و الذي يعطينا مؤشرا لأهمية (البتس) في حياتهم و التي لا تكون بنفس الأهمية بالنسبة لنا زي ما مرة قلت للبوليس لمن ضربت الشجرة بالعربية و عشان التأمين أهو قلت ليهو جا ماشي كلب فقمت زغت منو و ركبت الشجرة….
    تخش فيهو جنس الكلب دا…قال البوليس

    طبعا دا لو حصل في احدى الدول المتقدمة كانو حيودوا العسكري لي لاهاي كونو اتكلم سلبا على الكلب….
    و زد على ذلك سجل البوليس الاجرامي الذي تلطخ بعد الذعر الذي انتظم في البلاد على أثر الكلاب المتوحشة التي هاجمت البعض و التصرف اللاأخلاقي الذي قامت به قوات البوليس فعدمت البلاد من جنس كلب بعد حملاتهم التي طالت الكثيرين ممن كانوا في مرمي نظرهم…

    عموما نتمنى للمشوقة القوام أن تخلي المسخرة بعد دا و تحاول تدخل الى سريرها بني آدم و أهو الزول داك رايدا و يمكن يعمل حاجة أحسن من الكلب على الأقل يونسها…

  2. ابكرون كتب:

    سوبا: ( اذ لم يكن حباً بمعنى الكلمة ولا عشقاً بصريح العبارة , بيد أنه كان شيئاً اشبه الى الالفة التي لا تتحمل مثقال ذرة من الم الفراق . )
    ياخ نحن حبيناها خلي هو…الجالس جنبها يوماتي……
    انا منو اجيب ليها جريو اليوم التاني……وبعد سنه يمشوا الكنيسة يعقدوا للجريو عليها يكون بقي (كليب)….. يااااخ ناس (كونت موخلصه) بشكل…………………………….

  3. التركــــى كتب:

    العزيز سوباجو ياخ روعة والله حاجة تشدك وماتعرف تحزن ولا تنفعل …. بقولو اصـلو الولف كتال …. بصات الليل وآخره دى زى مترو الأنفاق دايما بتجيب المشاكل

  4. حاج أحمد السلاوى كتب:

    الأخ سوباجو كاجو كاجو ..
    أولن أشكرك الشكر الجزيل لمهاتفتك الصباحية اليوم من بلاد العم سام البعيدة..جعلت يومنا مشرقاً وازداد ألقاً بسماع صوتكم ..وكنا بالأمس القريب قد سعدنا بسماع صوت أخونا الكاشف الجديد أبو الجوخ من أبو ظبى..
    أما المقعد الخلفى دا خلانا نعيش لحظات جميلة مع العاشقين ..وكنت أتوقع أن تكون النهاية مثل نهاية الأفلام الهندية والمصرية حيث بنتصر البطل على الخائن ويتزوج الحبيبة ..ولكن راحت تصوراتنا أدراج الرياح .. وطلع الحبيب الراحل كب وابن كلب ..ونحن نعلم معزة الكلاب والقطط لدى هؤلاء الأقوام أوربيون كانوا أم امريكان فهم يفضلونها على أزواجهم وابنائهم ..
    وانا أخاف من الكلب يطلع لى أسد ؟أو كما قال ..!!حبكة جميلة وأسلوب سهل ممتنع سلس وتشبيهات راقصة أعجبتنى كثيراً ..
    سؤال سغيرووونى كدا .. معظم الأطباء لديهم ميول ادبية .. فهل أنت دارس للطب ؟..
    ولا تحرمنا من إبداعاتك ..
    إنتفقنا ؟

  5. ياسين شمباتى كتب:

    الحبيب سوباجو..سلامات..
    قمة الاثارة والعاطفة,,لكن فجعتنى بى كلبها دا !!! شحيبر بس..
    وخليك مواصل يا مبدع..

  6. قرن شطة كتب:

    الاخ سوباجو / سلام ، قرات قصتك واعجبتنى اللغة…اما قصة الكلاب والخواجات فقديمة…قال الرئيس الفرنسى الراحل شارل ديغول: كلما إزددت معرفة بالبشر وجدت نفسى اكن المزيد من الحب للكلاب…هذا هو الامر ياصديقى..تحياتى

  7. سوباجو كتب:

    الاخوة الكرام
    عزت
    ابكون
    التركي
    شمباتي
    قرن شطة
    اشكر لكم حضوركم الانيق
    اما حالة العز والحنكشة التي تعيشها الكلاب في هذه البلاد فتجعل الواحد منا يحسدها عديل كدا . وحسب تربيتنا ونشأتنا فإن تفكيرنا يذهب بنا مباشرة الى الحجارة مجرد ان نرى كلبا حتى ولو كان في البيت الابيض وسبحان الله فالانسان ابن بيئته كما يقول علماء النفس .

  8. حكاية كتب:

    ماشاء الله وفيت قصه فى قمه المتعه وكلماتها جميله ومعبرة
    بالتوفيق واصل لينا وخليك على كده فى نسج الكلمات الجميله دى تانى ماشاء الله
    بتخيل معاك بالحته باين لو الناس ديل حقيقه وشفتهم حاعرفهم ماشاء الله عليك
    دايما يا سوباجو عندك تحف فنيه راقيه بطلعها لينا

  9. سوباجو كتب:

    اختي حكاية
    تخجلين تواضعي بهذا الاطراء الذي اتمنى صادقاً ان يكون في محله .
    واعدك بالمزيد من المحاولات المتواضعة في عالم الكتابة الذي اعتبر نفسي متطفلاً في بحره الذي يتطلب اشرعة عاتية ومجاديف ومهارة عالية احاول جاهداً امتلاك ناصيتها مع مستقبل الايام ان شاء الله .
    ودمتِ في رعاية الله وحفظه .

  10. وفدى كتب:

    كلام أكثر من رائع نتمنى المزيد

  11. DAKEEN كتب:

    أحيييييي انا من كنبة شكرا ،،،، ناس تتلاقي بالعيون وناس تتحاشي الكمساري ،،، وناس فراشها وطن وناس تحد على كلب ،،
    مبدع ، هذا الكلب ،،، الذي مات مخلفا وراءه تخاطب الشفاه ،،، في سره يقول ،،، ليته مات من زمان،

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s