شىء يسمى الفشل…

Posted: الجمعة,1 أكتوبر, 2010 by قرن شطة in اخرى

كريمة فتاة بديعة وبدت متفردة فى كل شىء.. رسمت قسمات وجهها بدقة غريبة.. كل شى فى مكانه وكما يجب..الحواجب تتقوس كخناجر اليمن الأصيلة…الأنف مستقيم كأنوف الرمان ..الفم الدقيق ينفرج عن بسمة مضئية كالسحب تخرج من بينها الشمس فجاءة. كريمة امراة ذات حسن خلاب قوام معتدل، لون أسمر مذهب مصقول وجسم لدن شهى. ولكن ظاهر الأشياء فى معظم الأحيان لاينبىء بباطنها فالفتاة متصلبة المعتقدات و متحجرة الأفكار لاتتزحح عن آراها قيد أنملة ولاتتيح لنفسها فرص التأمل الرصين.. خارجياً كانت فواحة العطر .. مشيتتها مثيرة للكوامن ومع ذلك خطواتها عسكرية قصيرة وحاسمة كقرار أتخذ من أزمان بعيدة…تلك العيون العميقة والنظرات الساحرة لو تأملتها قليلاً وتفحصت فيها لوجدت شيئاً أخر …شىء غير متوقع .. وراء السحر والالق تطل من الحدقات مسحة حزن دفين وشجن صوفى أو ربما كارثى… هذه المراة بكل تفاصيلها المثيرة والمركبة والمعقدة تمشى بين الناس كالظل.. تبتسم بتهذيب مدنى وتحسم الطامحون فى معروفها بنظرات أحد من السيوف الصارمة. كان فى شخصية كريمة تناسق خارجى وتناقض داخلى وربما هما الامران الأهم فى تكوين نوع من الجمال لايُفهم.

اعجاب الزملاء بها فى العمل أمر يصعب اخفاؤه ..إحتفاء بوجودها وربما امانى خفية ..أمانى رومانسية وعذرية… يهيمون بها بخيال محدود بحدود يعرفون أنهم لا يستطيعون اختراقها ..يحتسون الشاى فى مكتبها وفى حضرتها الموحية ويسردوا ظريف القول وأخر طرائف مجتمع العمل وبسرية تامة يسترقون النظر الى مفاتنها..الى ذلك الشىء البعيد والمستحيل ثم ينهضون مبتسمين باسى وكأنهم دفنوا عزيزاً يعرفون أنه لن يعود..أستمر الوضع هكذا زماناً وكأن القدر قد كتب بمداد لايُمحى وحروف ماسية لامعة وواضحة ليست قابلة للكسر حتى جاء ذلك الزميل الجديد – ابراهيم – والقادم من بلاد بعيدة بعد غربة امتدت لتكون حياة وسيرة يحمل  بين جوانحه ماضى مجهول صعب التفسير.. ماضى صلب لا ينفصم ولا ينقسم…ابراهيم لم يكن وسيماً ولا قبيحاً لم يكن شاباً ولا كهلاً …لم يكن اى شىء محدد المعالم وانما مجموعة أشياء أحياناً يناقض بعضها البعض ، ولكن أهم مايمتاز به القادم الجديد صفتان قاتلتان فى مجتمعات العوالم الثلاثة :الحساسية المرهفة والخيال الخصب الذى يحلق به فى العلالى دون اجراءات إقلاع معقدة…الرجل كان نكرة فى بلده الجديد – القديم والعائد اليه بعد غربة مديدة.. يحمل فى حقائبه ضمن ما يحمل حزن سرمدى ..شهادات غريبة وتخصصات مريعة بعض الشىء… ترتسم على ملامحه أحزان من فقد صفياً ويعرف بحدس ما أن الذى ضاع هو جزء أصيل من ذاته ..الذات الأخرى.. ابراهيم يلازمه شعوراً بأنه فقد روحه فأخذ ينتظر ساهياً يترقب أن تدق الأجراس البعيدة ليذهب..تأمل البحر الذى أدمنه فى مده وجزره أكسبه نظم القريض ونسج الأشعار ..أشعار معقدة حتى هو نفسه يجهل معناها ويحتار فى تفسير موسيقاها…البلد الذى خرج منه صبياً غضاً وعاد اليه رجلاً سوياً لم يعد بلده ولامكانه الطبيعى..تغير كل شىء الناس أصبحوا كالناس والأزقة الحبيبة والأليفة تلك تمددت فى شوراع عريضة تعج بالسيارات المسرعة..تغير كل شى فى غيابه..حتى الغناء الذى كان فى زمنه نواحاً فرحاً أصبح فرحاً نائحاً..اللغة لم تعد هى ولم تعد فيها تلك الموسيقى الريفية الحنينة المخلوطة بكلمات المدينة الطنانة المرحة.. لم تعد لغة يفهمها ابراهيم بوضوح ..تحورت الكلمات الى أصوات تخرج من أفواه ناس غرباء صلبة وحادة كنباح الكلاب فى ظلام الليل البهيم.

العمل لم يكن مشكلة بالمعنى المفهوم ذلك أن لا عمل هنا بالمواصفات التى يعرفها العائد التائه ..الناس فقط يتظاهرون بالعمل.. ومعظمهم يجهلون قيمة العمل والمعنى الحقيقى، هذه هى الماسأة…الناس لايفهمون رمزية الزمن وسره الواضح… يجلسون فى المكاتب ويتشدقون بجمل عجمية مستوردة وركيكة وأحاديث نبوية ومقدسة ليست فى زمانها ومكانها..الآيات واضحة جلية والآليات غامضة وتأمورية..الحميمية فجة والعواطف مسرحيات رخيصة .. هذا مجتمع آيل للزوال – اذا لم تتدراكه يد الرحمة –  فقد عمه الفسوق والظلم .. لاشك سوف تؤول عمائره الى السقوط وينحط الى الدرك الأسفل بين الأمم فقد تنبأ بذلك  ذلك الاندلسى ابن خلدون.

ابراهيم التائه فى فوضى عالمه العارمة وكريمة الغامضة بجمالها الحاسم التقيا صدفة لامر يختص بالعمل ..تحدثا قليلاً..هو رأها بعيونه البحرية الباردة وهى رأته كشخص يعيش خارج نطاق الزمن المحلى والمحسوس ..فيما بعد قالت له يوماً وهى تضحك:

– تعرف أنك كنت تثير عندى شعوراً مستمراً بالشفقة!

– الشفقة نفسها من العواطف النادرة هذه الأيام– رد مقطب الجبين.

الكوكب مٌجد فى دورانه دون كلل ومعه تدور أحلام الناس وامالهم وأحياناً تضيع هذه الأمانى والرغبات مرتطمة بشوراع المدينة الغير مكترثة..أو تتحطم بنيازك قادمة من حيث لايدرى أحد أو يتكهن.

ابراهيم التقى بكريمة مرات عديدة بعدها فى أثناء العمل ..كان احساسه بها احساساً غريباً مبهم فى أصله وتفصيله..انتبه ذات يوم الى عيونها التى تشابه الى حد ما عيون الاسيوين والتى تضيق عندما تبتسم أو تضحك بتلك الضحكة الصافية الفواحة. ابراهيم لم يستطيع أن يضع كريمة فى اى تصنيف أو تعريف وهذا أمر أشكل عليه وسبب له ازعاجاً خفيفاً ومؤلماً كطنين البعوض فى هداة الليل..الرجل كأستاذ مدرس يعمل عقله بطريقة منهجية وتربوية..طريقة التعاريف والتصانيف والتقاسيم..عقله يعجز عن التعامل مع أمور غير معرفة مسبقاً ومصنفة علمياً ، وهذه الفتاة خرجت من هذا التقسيم الاكاديمى لأنها غير قابلة “للقولبة” ابراهيم ارتد كثيراً الى تجاربه السالفة هناك فى ذلك البلد البعيد ولكنه لم يجد فيها ضوء أو نجمة درية ليهتدى بها فى حوالك العالم الجديد..رجع باستمرارية مرضية الى ماضيه الذى يعرفه ليحل إشكالية حاضره المبهم..ابراهيم قرر يوماً العودة الى البحر والعيش فى المياه الباردة التى تعرفه ويعرفها “جناً تعرفو ولا جناً ماتعرفو” هكذا يقول المثل. هذا القرار قد أراحه لدرجة كبيرة وقد أستغرق أمر اتخاذه قرابة العامين.. ومع ذلك ظل الأمر الأخر يشغله …ولكن هل هناك أمر أخر؟! ابراهيم لايدرى على وجه الدقة أو حتى التقريب! لايدرى من هى كريمة ولماذا تسبب له كلما التقاها خفقاناً محرجاً ولذيذاً .. نظر الى السماء بحيرة فصدمته الشمس المتقدة بنيرانها ونظر الى الأرض فوجدها باهتة وكأنها أحرقت عمداً فى انتظار موسم جديد.

الشىء الذى بدأ يتنامى حثيثاً  بين الزميلين فى الواقع كان صراعاً محبباً ..ليس كما يمكن لأحد أن يتخيل … انه صراع أفكار قديمة وحجرية وثقافات متحررة وربما وافدة ..ابراهيم استوعب حضارة الغرب وربما آمن بالقيم من قيمها واعجب بل التزم بحريتها واليآتها العادلة القانونية ولكنه يعلم ايضاً مكامن الضعف فيها وسوالبها ولوابثها وملاباستها..يعرف بحدس شرس معنى هويته الخاصة وأصله الذى كان دوماً يفاخر به…يعرف ثقافته الأصلية ومعانيها الخفية…يدرك بوعى تاريخه وجغرافيته وحاضره بالرغم من انفصاله الطويل عن الوطن المصدر.. كريمة ايضاً تعرف ولكنها ومنذ البداية استشعرت خطورة مافى كلمات الزميل الجديد وهذه اللهجة الذى لم تتعودها وتلك الأفكار التى سببت لها حيرة وبعض إرتباك…قال لها يوماً فى محاصة المكاتب:

– يجب أن تفكرى بذاتك لتتحرى – ثم أردف – ان الذى لافكر يعتمر ولارؤية يمتلك لن يصبح حراً سوف يظل دائماً شخص يتلبس ويتبنى أفكار الآخرين..أخرين ربما أقل منه ذكاءاً وحصافة ، ثم ان اراة الله شاءت أن يكون للبشر عقول دون سائر مخلوقاته…نعم استعملى عقلكى لتتحرى…بل هو واجب.

– يبدو أن هذا الحديث بيننا لامستقبل له ذلك أنه يشابه خطرفات الملاحدة والشيوعيون.

– ياعزيزتى زمن الالحاد انتهى واى ملحد هو انسان غبى ذلك أن الله ووجوده امر لايحتاج الى كثير براهين..أنا فقط أفكر ..أفكر أذن أنا موجود .

– أنت باحاديثك هذه تشوش عقلى وينتابنى شعور بأنى سوف أتوه فى صحاريك الفكرية وأقاليمك العبثية..لماذا لاتتركنى وحالى؟

– بشرط أن تدعوننى على شاى مصنوع بيديك الماهرتان – قال مترجياً ليخفف حدة الحوار.

– اشرب الشاى ثم اذهب ياهذا – وعمداً لاتسمينى – فيومنا هذا قد بدأ بالمقلوب  -قالت كريمة ضاحكة وهى تضع اناء الشاى على السخان.

النقاشات والتى أصبحت دورية وشبه يومية والتى فى صورتها الخارجية اتخذت شكل الصراع..هذه المماحكات الطويلة كانت تخفى وراءها اشياء وقد حجبتها عن نظر ووعى ابراهيم وكريمة زمناً طويلاً…كانت شيئاً عجيباً. الفرق بين الفلسفة الخالصة والبراغماتية اليومية بدون مهدئات فرق يمكن أن يكون لامنطقى..ابراهيم كان فيلسوفاً مسكونا وكريمة كانت عملية ونفعية وطبيعة هذه الصفات بالضرورة تقود الى أمور أخرى ليس أهمها الخلاف..

ابراهيم عرف مبكراً ولكن طبيعة نظرته الفلسفية الى الأشياء جعلته عاجزاً ..مُنظراً فقط يعرف المالآت ولايتحكم فى أبسط الأمور على المستوى العملى…كريمة عرفت مبكراً ولكن تركيبة فهمها النفعى جعلتها عاجزة ربما عن ادراك جوهر الأشياء بعمق والماهية الحقيقية لكثير من العمليات الحياتية…كريمةرغم ذكاءها الحاد لم تستطع العثور على الشىء الضائع بينهما ..الحلقة المفقودة فى هذه العلاقة الغير مصنفة..لكن فى أعماقها كانت تحس بالخدر الذى يعتريها أثناء معاركهم الكلامية..هذا الدوار الذى يفقدها كثيراً من قوة منطقها النفعى والآنى..ابراهيم كان يتأمل ومن خلال زميلته فى نفس المشهد وذات المنظر المكبر فى عقله بشىء من العجز والالم…الالآم لابد أن تاخذ زمنها وحيزها ثم تختفى وتبقى علامات على الروح تذكر وتؤثر.

يوماً من تلك الأيام التى تسبقها ليالى ترابية تهجم على المدينة النائمة كقدر نافذ لايرد فيجعل عاليها سافلها ..هذه هى “الكتاحة” والتى ينهض بشر المدينة بعدها صباحاً وكأنهم مقبورون وقد نهضوا على عجل..الصنابير تجف مياهها وتبح أصواتها فلاتقول شئياً ، ثم تأتى ثالثة الأثافى فتذهب التيارات وتنتفى الخيارات…هذا الصباح ذهب ابراهيم الى مكتب كريمة يبحث عنها بغير فكرة وأضحة أو هدف مبين…لعله قصد أن يحظى بكوب شاى يعدل مزاجه الذى اغتالته الكتاحة الليلية أو شىء من تلك النظرات العسلية…جلس أمامها بتعب مكروب ..نظر اليها وابتسم ابتسامة منهزمة وقال ربما دون وعى :

– أتعرفين أنى مغرم بكى – ابتسمت كريمة بنشوة نسائية وهزت كتفها وقالت:

– أعرف ذلك ولكن…

– لكن ماذا؟ – رد ابراهيم مستغرباً – الرجل لايفهم ماذا يكون بعد الحب ! وهل هناك شىء بعده فى الحقيقة أو حتى قبله!

– ما رأيك لو نتكلم لاحقاً فى هذا الأمر – قالت الفتاة بحزم عملى.

– كما تحبين.

خرج ابراهيم من المكتب الضيق والمكيف كالساهى لايدرى لماذا قال ماقال لكريمة وهل كان صحيحاً؟ أم أن الأمر لايتعدى اعجاب عام وفى لحظة إنصاغ فى جملة تائهة وواضحة… سوف أترك الأمر تجرى به الرياح وعلى كل أمرى محسوم لحد ما…أريد مغادرة هذا البلد ..بلدى الذى لم أجده ولم يجدنى..الوطن…قالوا يكون حيث تجد نفسك وتعيش فى نوع من التوافق الاجتماعى والسلام الداخلى…هذا هو الوطن اما غير ذلك فهى بلاد وأقطار وجزر. ابراهيم تائهاً فى عوالمه الداخلية يطمئن ذاته القلقة ووجدانه الذى يستثار بأقل الاحساسيس .

دلف الى الفناء الكبير الذى يعج بالطلبة والموظفين…الشمس ابتدأت رحلتها الى كبد السماء ببطء وابراهيم يسعى بين الناس مصعوقاً بما قال ومندهشاً من الرد الذى تلقاه من الفتاة…لايهم سوف يكون ما سوف يكون جملة فلسفية قالها قارى بالدى قبل أن يخوض احدى معاركه.

اليوم ذهب اليها وهو ملىء بالهواجس…لايريد الذهاب اليها ولكن رغماً عن ذلك هاهو يسعى ببطء نحو مكتبها وكأنه منجذب نحوه بمغنطيس هائل…كانت كريمة جالسة لوحدها تنظر بتركيز الى شاشة الكمبيوتر، وبدأ وكأن الفتاة لم تشعر بدخوله ، رفعت نظرها بعد ثوانى من جلوسه وابتسمت قائلة:

– لو سمحت دقيقة وأكون معاك – وأخذت تعبث بالحروف بسرعة مذهلة..أخذت نفساً عميقاً وأردفت:

– هذا الأمر انتهى ، كيف حالك ؟

– لابأس – تمتم ابراهيم.

نهضت كريمة بخفة نحو باب المكتب واغلقته وعادت الى مقعدها…تأملت وجه ابراهيم برهة ثم قالت:

– فكرت فيما حدثتنى به البارحة..

– أظن أنه أمر طبيعى – رد ابراهيم رافعاً حاجبيه.

– ماهو الطبيعى يامستر؟

– أن تفكرى هذا أمر طبيعى وفى ماذكرت لكى البارحة أكثر طبيعية ويدخل ضمن النطاق الطبيعى أيضاً للأشياء…

– فهمت – سكتت كريمة برهة وعادت تنظر الى شاشة الكمبيوتر وكأنها تتحاشى نظرات الرجل الذى أمامها.

– تعرف انى أقدرك بل وأشعر نحوك بشعور خاص  ولكنى اعتقد أن الأمر بيننا لايمكنه أن يسير قدماً الى الأمام!

– ولماذا؟

– نحن مختلفان تماما- نظرت كريمة حولها وكأنها تبحث عن كلمات مناسبة – أنت رجل طيب ولكنك ليس هنا…أقصد تعيش فى وأقع أخر وعوالم مختلفة … نحن وواقعنا المرير قد جفف حياتنا فأصبحنا مثل هذه الالة  – وأشارت برأسها الى الكمبيوتر- نفعل ماهو صحيح اجتماعيا ومقبول ظاهرياً – طبعاً بعد تغذيتنا بالمعلومات الضرورية – قالت تهز رأسها وتبتسم بشى يشبه الاسى.

– أفهم من هذا أنكم وبصورة ما استبعدتم العواطف وبترتم المشاعر …هذا وضع مؤسف – قال وكأنه يناجى نفسه.

– انت تغيبت كثيراً عن البلد وغابت عنك أمور كثيرة…

– والأن ابتدأت أعرف ، على كل لماذا ترفضين حبى لكى؟

– الحب لا أرفضه ولكنك انسان وبصراحة أيضاً تخاف منه اى فتاة سودانية طبيعية!

– أشرحى أكثر لو سمحتى؟

– يامستر اشرح ماذا؟

– الى ماذا تشيرين بكلمة مستر هذه؟

– انك مثل الخواجات بل وتتصرف مثلهم – قالت وكانها متحدية .

– انتى تعرفين انى لست كذلك ولكنى عشت زمناً طويلاً فى الخارج رغماً عنى… إرادتى ان ادرس واعيش فى بلدى ولكن… تعرفين الوضع التعليمى انذاك… وعلى كلً ياستى ما العيب فى الخوجات؟ هم اكثر الناس انسانية وحباً للعمل والاتقان والنظافة، لن تجدى خواجه يكذب اطلاقاً ثم انهم فى غاية التهذيب وقمة فى التعامل الحضارى انا اتكلم عنهم كافراد ولا اتكلم عن الحكومات فهذا امر اخر… ثم انكِ تنسين امراً هاما وهو اننا نعيش على حضارة وصناعة وتقدم من صنعتهم وليس لنا فيه مشاركة تذكر… امر غريب ان نعيش عليهم ونسبهم والعيب فينا!.

– انهم كفار- قالت كريمة بعناد من وجد امراً يتشبت به .

– انهم مؤمنين بعقائدهم لهم دينهم ، ولسنا مكلفين بمحاسبة الناس عن اديانهم او افعالهم…

– انهم كفرة وسيدخلون النار- ردت بعناد استشهادى

– وانتى لست منقذة لأحد … لست عليهم بمسيطر اهتمى بنفسك فهى احق .

– الم اقل لك انك صرت مثلهم وتعتنق افكارهم ؟

– ياعزيزنى الحقيقة ضالة المومن آنى وجدها …

– انت يا ابراهيم اخطر منهم لانك تعرف المصادرتماماً وتتعامى … يساورنى شك احياناً انك “خارج المله” – قالت بسرعة وبعيونها قلق كثيف- ولست متاكدة أيضاً من انك تؤدى شعائرك بالتزام وانتظام … تساورنى شكوك كثيرة حولك !

– هذا هو مربط الفرس والفارس ياعزيزتى … انتى تشكين كثيراً وانا اشك بالقدر  المناسب – قال ابراهيم وبصوته غضب مكتوم – الان حصحص الحق واعرف اين تتجه رحائلك ، وسوف اترك امر الغرام الى وقت آخر … الحب يمكنه ان ينتظر يا أم المؤمنين .. الحب هنا كالسيارة يمكن ان يُركن و”يبركن” الى حين..

خرج ابراهيم وراسه يكاد ينفجر …هولاء الناس قد تلاعبو بعقول الابرياء فاتلفوها واقفوا مهمتها الاساسية وهى التفكير …لقنوا هذه الامة فكراً فاسداً واتلفوا عقول اجيال كاملة ..فى هذا الزمن اصبحنا نتكلم عن الكفر والالحاد والجنة والنار والملة وكأننا حديثى عهد بالإسلام أو مؤلفة قلوبنا البارحة!

بعد ليالى مضنية من التفكير الدائرى والمجهد ، قرر إبراهيم أن التوغل فى هذه المسالة مع تلك الفتاة والتى أحس بميل مرضى نحوها سوف تسبب له فقط الالام العظيمة…إبراهيم لاتنقصه الاوجاع وهو متأكد بان المصائب لا يلدن الا مصائب مثلهن..ان التزمت وضيق الافق شىء خطير لايُحل بين ليلة وضحاها.. وان الفشل أمر شديد المرارة وجب تجرعه دفعة واحدة دون تنفس ..

فى لحظة كسوف حسم أمره …الفتاة محبوبته الإفتراضية هى نتاج مفاهيم مغلوطة وفقر لايزول وضغط مجتمع متسلط على أفراد عديمى الاختيارات وربما حتى بهم بعض علل نفسية….إبراهيم استفاق على صوت مضيفة الطائرة وهى تقول عبر المايكرفون بصوت عذب ومهنى: أيها السادة يمكنكم الآن فك الاحزمة..إبراهيم تحسس حزام الامان فى وسطه ثم أرخاه قليلاً وابتسم بمرارة…مرارة شىء يسمى الفشل…

Advertisements
تعليقات
  1. عزت كتب:

    سلام يا قرن

    عارف لو المضيفة بتاعت الطيارة اتكلمت معاهم بلغة غير (لغة غالب أهل البلد) معناتا الزول دا لا فشل و لا حاجة… الزووول دا ربنا قدر و لطف انو (اتخارج) و لم يربط نفسو بمن تبنو المفاهيم المغلوطة و رضخوا لضغط المجتمع المتسلط على أفراده عديمى الاختيارات….

    أحنا كان قايلنها بتصل لي كدا كان زمان ركبنا الطيارة…!!

  2. قرن شطة كتب:

    سلام د.عزت
    كنا وكنتم ركبنا الطيارة “التونسية” ومشينا شوفنا لينا موضوع تانى ، ولكن يقولوا البتجى من السماء تحملها الواطة! ولا ما كده؟ تحياتى

  3. moshahidah كتب:

    دكتور قرن شطة …{بالمناسبة لو اعرف اسمك و اسم كتابك عشان اتمنظر بيك هههه}

    الحته بتاعه انو الوطن دا ما جغرافيا لازم نتقيد بيها دا من الحاجات البتكلم فيها و الناس بتزعل ..

    زى انو يا جماعه الدين دا ما عربي ..يعنى ما عشان الزول اسلم يلبس جلابيه مثلا و يغير اسمو و يتعرب بالقوة ..

    اما التصنيفات الدينية في دى الاكثر اثاره للامتعاض ..

    حلو الكلام ..و قول لابراهيم ما يزعل ..في امازونيا بعض الناس لسه ما كدا ..لكن في محميات منسية ..

  4. moshahidah كتب:

    “أفران الشمال” لأسامة عبد الحفيظ..دى اجابه سؤالى اعلاه صح ؟

  5. aflaiga كتب:

    قرن شطه يا حبيب : تتخيل البنيه دى غير تقعد فى المكتب تشوشو البله الجنبها ديل لمن يجى مغترب ابله زيها يخمها وتقعد تنكفى فى قضايا الدخان والدهب كجدليات جتميه لاى انثى عاقله – لا اعتقد انها ستفعل شيئا غر هذا .
    اما صديقك فهو لم يخطئ فى العوده فمن راى ليس كمن سمع على الاقل لو فى زول تانى جا اتفلسف ليهو عن العوده الطوعيه بيعرف يوريهو ليهو ..
    اوتدرى لمذا خلق الله الطائرات ؟؟ كى نهرب بها من البلاهه احيانا تعرف لو صحبك ده قعد لى اسى كان تلقاهو فى ابروف بينقى فى الطلح السمح والبطيخ السمح والعيش السخن من اجل عيون تلك البلهاء التى لا اعتقد انها تملك سوى ما يفنى ويستحدث من لا يستحدث من العدم ..
    بركه السافر احىىىىىىىىى منو ومنها ..

  6. قرن شطة كتب:

    الاخت مشاهدة – سلام
    الوطن فعلاً ماجغرافيا…الوطن مشاعر وناس واحباب وحاجات كتيرة ماعندها علاقة بالارض (الواطة) او علاقة واهية وليست مؤكدة! أما الدين فده قصتو مع بعض الناس والفئات بقى موضوع لايطاق وغير قابل للمنطقة أو النقاش، ذلك ان موضوع الدين والعقيدة يرتبط غالباً بالعواطف وحتى الذكريات الاولى وله علاقة وثيقة بالهوية ، ثم انه طريقة حكم وسلطان ومنافع ومصالح.. يبقى من الصعب تفكيك هذه الامور من بعضها عشان نشوف القصة بنوع من المنطق وحتى “الحيادية” الصحية…أما أخونا إبراهيم وان لم يكن قد غادر حقيقة هو بالتاكيد فارق ..والمغادرة والفراق امران مختلفان وان تشابهو!
    …اما تساؤلك الاخير فهو (يانى أنا).. وقبل أفران الشمال والذى أظنه سيصدر قريباً كان معانا واحد اسمه (القرين وقصص آخرى…حكايات من إسبانيا) 2007(دار عزة للنشر) دمتى ايها الزميلة وسلام….

  7. قرن شطة كتب:

    العزيز / أفليقا ..
    سلام ياشاب ..انت وين؟ تعرف ياصديقى القصة دى ليها قصة…وعلى كل انت تعرف إهتمام الجندر السودانى وزيادة فى بلة الطين جوا اخوانا ديل ودخلو فيهم أفكار شيطانية وخلوهم لافين فى عوالم الجهل والخرافة والفوضى والتكفير …أما ابراهيم ما اظن تانى يقع فى شرك (حب) مشابه ، فالرجل آمن وذهب من غير عودة على الاقل إغترب روحياً وفكرياً..

  8. عزت كتب:

    قرن شطة سلام

    يا تري ناس القرين و الحكايات الأخرى ديل ما موجودات مجانن باقي غالبية أهل البلد صاروا يحبون الملح…. أقلو يكون pdf في اطار القراءة للجميع….

  9. قرن شطة كتب:

    الخ د.عزت
    صباحك خير…بما يخص موضوع “الملح” وكده كلنا “بنهبو” على راى التعايشى عندما قدم اليه وفد من احدى قبائل غرب السودان وقدموا انفسهم على انهم أشراف والدليل على شرفهم انهم يحبون اللحم “الابيض” اى الدجاج والسمك وربما حاجات تانية ، فرد الخليفة مبتسماً (دى كلنا بنحبو!) مجموعة القرين طبعا ونشرت وليس لى فيها يد ، فهى ملك لمكتبة عزة ولينا كان آجر المناولة شوفت كيف! ومعظم قصص القرين نشرت فى المدونة (عندنا) وهى قصص كُتبت فى أصلها بالإسبانية ثم قمت بترجمتها الى العربية بنفسى ، وكانت تجربة ما أظن أعيدها..أفران الشمال فازت بالجائزة الثانية فى (جائزة الطيب صالح للإبداع الروائى) 2009بس (شكرونا) والموضوع إنتهى على كده…ربما تنشر الان بمجهودات خاصة..على كل أحاول ان اوصل لمن احب (عضم القصص) باى صورة ودمت أخى

  10. مُخير كتب:

    الأخ قرن شطة
    سلام
    كم نفتقد وبشدة هذه النصوص المشحونة بالمعاني والفقرات التي تحكي أعجب القصص، بالله أي شيطان وسواس خناس أوحى بعبارات على شاكلة ((الكوكب مٌجد فى دورانه دون كلل ومعه تدور أحلام الناس وامالهم وأحياناً تضيع هذه الأمانى والرغبات مرتطمة بشوراع المدينة الغير مكترثة..أو تتحطم بنيازك قادمة من حيث لايدرى أحد أو يتكهن)) أو ((ان التزمت وضيق الافق شىء خطير لايُحل بين ليلة وضحاها.. وان الفشل أمر شديد المرارة وجب تجرعه دفعة واحدة دون تنفس ..)) أسلوب رائع ومازلت مسكوناً بالنفس اللاتيني والروح السوريالية التي تُحدث الروعة وتُبهر بالجمال اللامنطقي لله درك يا رجل، وواصل ما انقطع من إبداع.

  11. نيام كتب:

    العزيز قرنوف :
    ما اروع فشلك يا ايها القادم من خلف الافق انك منطاد ضل سبيله في اودية منسية اعدتنا اليها علي مهل و سافرت قبل ان تودع غرورنا التائه حيث نحن ، كم من مرة اردت ان اسافر معك بلا عودة و لكنك دائما تغادر سرا و مكرا و روعة نستشفها بعد الاقلاع…لكم انت رائع في المرة القادمة اربطنا باحزمتك فنحن اكسل من ان نربط حزاما و اغبي من ان ننال وداعك…تري كم ابراهيم غادر سماواتنا وبصق علينا من عل…

  12. قرن شطة كتب:

    الاخ مخير / سلام
    …قال أحد الكتاب الفرنسين (أن كل القصص قد كُتبت وكل الحكايات سبق ان قيلت ورويت..تبقى فقط سحر الكلمات وجماليات التعابير) إعتقد أن كثير من القصص والحكايات وخاصة فى امازونيا لاتزال تحتاج “للحكى” فنحن أمة “متفردة” وزينا اصلاً مافى وشربكاتنا تفوق الخيال بكثير…اعجز عن شكرك ياأخى مخير ، وفقط هذا النوع من التشجيع يخلى الزول يواصل – رغم مابى النفس من احباطات ومابالقلب من مرارات..لك التحية…
    العزيز نيام
    لاشك أن كمية من (الابراهيمات) قد غادرونا غير آسفين على شىء ، ولاعجب فنحن فى بلاد العجب واذا عُرف السبب زال العجب…والسبب كوووووووولنا عارفنو ..تحياتى أخى ودمت ودامت الافراح…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s