رابطة المتجبدين الجدد

Posted: الإثنين,8 ديسمبر, 2014 by monimdeef in إجتماعية

منزل عمو شكري كعادته عامراً على مدار العام، منزل ملتزم بطقوسه التي نشأ عليها، كل شيء في مواعيده وكل شيء في مكانه الصحيح، عمو شكري رجل يعيش حياة المعاش بطريقة غير تلك التي يعشيها السودانيين عادة بل يعيشها بطريقتة الخاصة محاولاً أو يجعلها ممتعة ومتكأ حقيقي بعد عناء السنين والتعب والجري، ولكنه كعادة كبار السن يظل مهووسا بالنظام والترتيب ويرى الكل في فوضى عارمة والكل غير جاد ولا يدير حياته بالطريقة المثلى، لذلك تعب وبح صوته من صرف النصائح والتوجيهات بلا طائل فجيل اليوم جيل صعب وعنيد ورافض أن يعيش بعقلية شخص في عمره وشغالين معاه بنظرية كلام الليل يمحوه النهار وكلام كتير قلناه آخر الليل سوا خايف يكون شاله الهواء، مش خايف شاله أكيد وذهب كل تعبه مع الريح، هو رجل يريد تركيب ماكينة جيل الستينات والسبعينات على جيل الانفومرميشين تكنولجي وجيل الآيباد والواتساب والهوت دوق، وهذا بشكل عملي وفني ومنطقي لا يظبط ولكنه لا يمل من محاولاته في تعديل الكون وتنظميه وإخراجه بطريقته الخاصة المثلى الجادة ذات الخطوات المحسوبة بدقة التي لا محل فيها للقفز في الظلام، ويرى أن الكل مستهتر وفوضوي ويتعب كثيرا بسبب ذلك وكثيرا ما يأخذ حبة ضغط اضافية لتخفيف اثار احباطاته وحنقه من ميل الحال الذي يراه مسيطرا على المشهد والناس الما بتسمع الكلام. وعندما تتكاثر عليه الاحباطات والصدمات يركن الى سريره ويتجول بالريموت من غير هدى بين كورة وكورة وبرامج ماسورة وأخيرا صار يستسيغ حسين خوجلي بعد عمر من التهميش قضاه هذا الاعلامي الجميل في نظر عمو شكري.

هو أول من ” تجبد ” في العصر الحديث وأسس مدرسة ومبادئ ومناهج لهذه الحالة، المعاشيين عندنا بالسودان قوم فقراء بؤساء يلهثون وراء الملاليم التي تمنحها لهم الدولة آخر كل شهر ، هناك لا يوجد ” جبيد ” ربما ” قعاد ضللة ” أو لعب ضمنه في الشارع وجوع وبهدلة وطرد من قبل النساء حيث اعرف الكثيرين يلغى مكانهم بالبيت بمجرد نزولهم المعاش وتوقف ” النقاطة ” عكس عمو شكري الذي ما زال ممسكا بقوة بالنقاطة ومحافظ على مكانته بل عززها أكثر بسبب وجود وقت لما عجز عنه في ايام الجري والكفاح، العطالة الحديثة بمعايير ونظرية عمو شكري تعني الرفاهية والاستمتاع بكل ما هو مسلي مثل حضور المسلسلات التركية المليئة بالرومانسية والرفاهية والجمال، والمسلسلات المكسسكية ،هذا اضافة لعشقه الاول وهو متابعة الرياضة الاوربية ” الاوربية تحديدا ” وليس الهلال والمريخ والموردة وهذه الفرق التي تعج منها الفوضى ” والشناة ” في الاشكال والملاعب والجمهور ، هو رجل يعشق فرق مثل الريال وبرشلونه ويعرف كل شيء عنها ويعبر بإعجاب عن المليارات التي تتحرك داخل الملاعب وهي قيمة اللعيبة الذين يحفظ رواتبهم وأثمان شرائهم التي تثير اعجابه وترفع روحه المعنوية رغم أنها لا تعنيه في شيء ولكنه هو هكذا شخص يحب الروقة والراحات والجمال.

مدرسة عمو شكري مبنية على اسس معينة وهي الاستمتاع بقدر المستطاع ويعرف كيف يوزع يومه ومتى ينام ومتى يحضر برامجه المفضلة ومتى يخرج ، رجل استعد لهذا البرنامج منذ سنوات وحسب حسابه فلم يفاجأ كما تفاجأ الذين من بعده ولم يتعذب في كبره او يلهث في نهاية حياته ، يأكل بعناية ويشرب بحسبان ، يبحث عن الوجبات التي تفيده صحيا ، يحاضر كل من يدخن أو “يسف التنباك” ويسرد عليه قصص عن مدى مضار هذه العادات وأنها قتلت فلان وفتكت بعلان وأنه يجب ان يتسلح بالإرادة لتركها ، يضيع الساعات في البحث عن العيش ” البر ” والجرجير ، ولا يأكل الشطة ، ولا يشرب القهوة مطلقاً ويبعد عن كل من شانه ايذاء صحته ، أما الدماغ فلا مكان له من الاعراب عنده ، لا يقيد نفسه بمكيفات او طقوس ضارة وأقصى ما عنده شاي المغرب بالحرجل . يوصي كل قادم عبر البحر احضار شيء ما من مكملاته الغذائية حتى ولو كان ليموناً . وجاءت سكرة الموت بالحق، وقلبت السعودية ظهر المجن وقامت بترتيبات غير مسبوقة لوضع العمالة وضبط وضعها وانتهت المهلة التي منحتها الدولة للناس لتوفيق اوضاعهم ولكن ظل الالاف بل الملايين لا زالوا تحت طائلة المخالفة ولم يكن امامهم خيار سوى البيوت ” والجبيد ” تحت البطاطين بعد أن كانوا لا يرونها إلا لساعات خاطفة ، فكان عمو شكري وديوانه العامر وخبرته الطويلة خير ملاذ لبعض اصدقائه ممن شملتهم هذه الحملة وأقعدتهم بمنازلهم ، فتعلموا منه فن السهر الايجابي والتنويع وكيفية ادارة ريموت التلفزيون ، تعلموا منه عدم الخوف من بداية الاسبوع وألغوا المنبهات من جوالاتهم ، تابعوا كل شيء وحضروا ما لم تسمح لهم الظروف بحضوره لسنوات ، وعرفوا مدى صعوبة ادارة الوقت في العطالة أكثر من وقت العمل ، خلال سنوات العمل كان هولاء المتجبدين الجدد مبرمجين والآن ساعاتهم البيلوجية وهم في الاسبوع الثاني بدأت تتعطل ، صار عمو فقيري يأتيه ضحى وصباحا ومغرباً بجلابية ناصعة البياض وأنفاس هادئة وحيله غير مهدود ، أما حسبو المتجبد رقم واحد بالصالون ، هذا الرجل المكدود فكانت بمثابة فسحة له التقط فيها انفاسه ووجد ضالته في كل ما يشتهي وخاصة حضور البرامج الرياضية والمباريات المتنوعة من جميع فرق العالم بعد أن كان يأتي ليلا منهك الحيل وبالكاد يحضر صدى الملاعب ” عين مغمدة وعين مفتحة ” . فقه ” الجبيد ” كما اسلفنا تطور ومر بمراحل وعصور كما ذكرنا آخرها ” قعاد الضللة ” وقبله الجلوس أمام ابواب المنازل وتحت اعمدة الكهرباء وفوق اللساتك البالية التي كانت كراسي الناس في عهود سابقة ، أما ” الجبيد ” اليوم فصار مدرسة في غاية الحداثة تحت التكييف وإمام الشاشات المثبتة على الجدران ، ” المتجبد ” اليوم يأكل أحسن الوجبات ويترفه ويتدلع على زوجته ويطالبها بوجبات شاقة الاعداد ما كان يطلبها من قبل ، وكي لا يعطي مجال لزوجته للسخرية من عطالته تجده متحفزاً للشر و” الشكل ” والمسكينة تسكت وتصبر عسى أن يفرج الله كربتها ويجد وظيفة أخرى تريحها من فاقته وتفرغه لصغائر الامور والالتفات لأصغر القضايا كي يذكر الناس أنه هو هنا حيث أنه وجه غريب بالمنزل خلال ساعات النهار. لكن عمو شكري بطبيعة الحال صار وجه مألوف وشخص فاعل في بيته بحكم اكماله سبع سنوات من “الجبيد ” وتاقلم اهل بيته على وجوده في المشهد على مدار الاربع وعشرين ساعة وكلف نفسه بمهام ادارية وخدمية داخلية وفرت الكثير من الجهود على مدامه ، ولكن آخرون من دونه منهم أخاً له يسكن بجواره فالويل والثبور لهم إن تمادوا في هذا ” الجبيد ” والكلام بجيب كلام .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s